التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٩٥
فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٩٦
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٩٧
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
٩٨
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٩٩
-الأنعام

تفسير المنار

هذه طائفة من آيات التنزيل، مبينة ومفصلة لطائفة من آيات التكوين، تدل أوضح الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته، وعلمه وحكمته، ولطفه ورحمته، جاءت تالية لطائفة من الآيات في أصول الإيمان الثلاثة: التوحيد والبعث والرسالة، فهي مزيد تأكيد في إثباتها، وكمال بيان في معرفة الله تعالى، بما فيها من بيان سننه وحكمه في الإحياء والإماتة والأحياء والأموات، وتقديره وتدبيره لأمر النيرات في السماوات، وأنواع حججه ودلائله في أنواع النبات، قال عز وجل:
{إن الله فالق الحب والنوى} الفلق والفرق والفتق جنس واحد للشق - ونحوه الفأو والفأي والفت والفتح والفجر والفرز والفرس والفرص والفرض والفري والفصل وأشباهها - ومنه قوله تعالى:
{ وإذ فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50] مع قوله فيه: { فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } [الشعراء: 63]
ومن أسماء الصبح الفلق - بالتحريك - والفتق - بالفتح - والفتيق، وقول الراغب: الفل شق الشيء وإبانة بعضه من بعض، والفتق الفصل بين المتصلين غير ظاهر، بل التنزيل يدل على عكس قوله. إن الفتق يعتبر فيه الانشقاق والفلق يعتبر فيه الانفصال. وفيه أن مواد الفلق والفتق والشق والفطر ومطاوعتها قد استعملت في الأشياء المادية في باب الخلق والتكوين وما يقابله من خراب العالم بقيام القيامة، وأن الفرق استعمل في الأمور المادية والمعنوية جميعا، ومن الثاني تسمية القرآن فرقانا وتلقيب عمر بالفاروق ; فإن المراد بهما الفرق بين الحق والباطل.
والحب بالفتح اسم جنس للحنطة وغيرها مما يكون في السنبل والأكمام، والجمع حبوب مثل فلس وفلوس والواحدة حبة. والحب بالكسر بزر ما لا يقتات مثل بزور الرياحين الواحدة حبة بالكسر. قاله في المصباح ونحوه في مفردات الراغب.
والنوى جمع نواة وهي عجمة التمر والزبيب وغيرهما كما في اللسان، والعجمة بالتحريك ما يكون في داخل التمرة والزبيبة ونحوها، وجمعها عجم وقيل: إن النوى إذا أطلق ينصرف إلى عجم التمر، فإن أريد غيره قيد فقيل نوى الخوخ ونوى المشمش، ولعل هذا تابع للقرينة، ولم أر من قال إنه كذلك في أصل اللغة.
والمعنى أن الله هو فالق ما تزرعون من حب الحصيد ونوى الثمرات، وشاقه بقدرته وتقديره الذي ربط به أسباب الإنبات بمسبباتها. ومنها جعل الحب والنوى في التراب وإرواء التراب بالماء، وعن ابن عباس أن المراد بالفلق هنا الخلق والإيجاد، والأول أظهر في بيان المراد،
وقد بين ذلك بقوله: {يخرج الحي من الميت} أي يخرج الزرع من نجم وشجر وهو حي - أي متغذ نام - من الميت، وهو ما لا يتغذى ولا ينمى من التراب، وكذا الحب والنوى وغيرهما من البزور كما يخرج الحيوان من البيضة والنطفة. فإن قيل: إن علماء المواليد يزعمون أن في كل أصول الأحياء حياة، فكل ما ينبت من ذلك ذو حياة كامنة إذا عقم بالصناعة لا ينبت.
قلنا: إن هذا اصطلاح لهم، يسمون القوة أو الخاصية التي يكون بها الحب قابلا للإنبات حياة، ولكن هذا لا يصح في اللغة إلا بضرب من التجوز، وإنما حقيقة الحياة في اللغة ما يكون به الجسم متغذيا ناميا بالفعل وهذا أدنى مراتب الحياة عند العرب، ولها مراتب أخرى كالإحساس والقدرة والإرادة والعلم والعقل والحكمة والنظام، وهذه أعلى مراتب الحياة في المخلوق، وفوق ذلك حياة الخالق التي هي مصدر كل حياة وحكمة ونظام في الكون.
وما قلنا إنه الحقيقة أظهر من مقابله، وهو جعل إطلاق الميت على الحب والنوى من مجاز التشبيه، كأنه لما لم تظهر فيه آيات حياته الكامنة من النماء وغيره سمي ميتا; فإن واضعي اللغة في طور البداوة لم يكونوا يعلمون أن في الحب والنوى صفة هي مصدر النماء قد تزول فلا يبقى قابلا للإنبات.
وجعل بعضهم كلا من الحي والميت هنا مجازا، ويرده مثل قوله تعالى:
{ وجعلنا من الماء كل شيء حي } [الأنبياء: 30] {ومخرج الميت من الحي} كالحب والنوى من النبات والبيضة والنطفة من الحيوان.
وهذا قيل إنه عطف على " فالق الحب " لأن الأصل في الكلام الفصيح أن يعطف الاسم على الاسم، ولأن إخراج الميت من الحي لا يدخل في بيان فلق الحب والنوى،
وقيل إنه عطف على " يخرج الحي من الميت " سواء كان بيانا لما قبله أو خبرا بعد خبر، لأن التناسب بين هذين الأمرين المتقابلين أقوى من التناسب بين الثاني وبين فلق الحب والنوى ; ولذلك وردا بصيغة الفعل في سورتي يونس والروم
{ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } [الروم: 19]
وقد حسن عطف اسم الفاعل بمعنى فعل المضارع، فإن مخرج الشيء هو الذي يخرجه في الحال أو الاستقبال، ولكن هذا الفعل يدل أيضا على التجدد والاستمرار.
وقد يراد بوضعه موضع اسم الفاعل أو موضع الفعل الماضي إفادة تجدده واستمراره، أو تصور حدوث متعلقه واستحضار صورته.
مثال الأول: المقابلة التي أوردها الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز بين قوله تعالى:
{ هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء } [فاطر: 3] وقوله: { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } [الكهف: 18] فصيغة الفعل في " يرزقكم " تدل على أنه يرزقهم حالا فحالا وساعة فساعة، وصيغة الاسم في باسط ذراعيه تفيد البقاء على تلك الحالة،
ومثال الثاني قوله تعالى:
{ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة } [الحج: 63] جعل " فتصبح " موضع " فأصبحت " لإفادة استحضار تلك الهيئة الجميلة وتمثلها كأنها حاضرة مشاهدة، وكل من هذين المعنيين للمضارع قيل بأنه مراد بقوله تعالى: {يخرج الحي من الميت} القائل بالأول هو فخر الدين الرازي، والقائل بالآخر هو ابن المنير في الانتصاف على الكشاف.
وقال الرازي في تعليل اختلاف التعبير في المعنى: إن العناية بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من العناية بإخراج الميت من الحي.
وقال ابن المنير: إن الأول أظهر في القدرة من الثاني وأنه أول الحالين والنظر أول ما يبدأ به ; فلهذا كان جديرا بالتصور والتأكيد في النفس وبالتقديم انتهى.
وذهب الخطيب الإسكافي في " درة التنزيل " إلى جعل اختلاف التعبير لفظيا محضا. وملخص كلامه أن مقتضى السياق أن يقال: " ومخرج الحي من الميت مخرج الميت من الحي " لمناسبة " فالق الحب " التي اجتمع فيها ثلاثة من حروف العلة عدل عن " ومخرج " المبدأ بحرف العلة إلى " يخرج " التي بمعناها ثم عطف عليها " ومخرج " لمناسبة اسم الفاعل قبله وبعده انتهى. والمراد أن " والنوى " بدئت بالواو المفتوحة وختمت بها، فإذا عطف عليها " ومخرج " تتكرر الواو المفتوحة تكرارا مستثقلا كما هو ظاهر.
ونقل بعض المفسرين عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن معنى الجملتين: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. ومثله إخراج البار من الفاجر والصالح من الطالح والعالم من الجاهل، وعكسه بحمل الحياة والموت على المعنوي منهما على حد قوله تعالى:
{ أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } [الأنعام: 122] ولكن هذا التفسير لا يناسب هذا السياق وإنما يناسب سياق آيتي آل عمران " 3: 27 " ويونس " 10: 31 " فراجع تفسير الأولى في ص 226 ج 3 ط الهيئة.
{ذلكم الله فأنى تؤفكون} أي ذلك المتصرف بما ذكر من مقتضى القدرة الكاملة والحكمة البالغة هو الله خالق كل شيء فكيف تصرفون عن عبادته وحده، وتشركون به من لا يقدر على فلق نواة ولا حبة، ولا إحداث سنبلة ولا نخلة؟.
{فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا} جمع تعالى في هذه الآية المنزلة بين ثلاثة آيات سماوية، بعد الجمع فيما قبلها بين ثلاث آيات أرضية (فالآية الأولى) فلق الإصباح، والمراد به الصبح وأصله مصدر " أصبح الرجل " إذا دخل في وقت الصباح ومن الشواهد عليه قول امرئ القيس:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي... بصبح وما الإصباح منك بأمثل.

وقرأ الحسن بفتح الهمزة وأنشد قول الشاعر:

أفنى رياحا وبني رياح... تناسخ الإمساء والإصباح.

بالكسر والفتح - مصدرين، وجمع مساء وصبح، وفلق الإصباح عبارة عن فلق ظلمة الليل وشقها بعمود الصبح الذي يبدو في جهة مطلع الشمس من الأفق مستطيلا، فلا يعيد به حتى يصير مستطيرا، تتفرى الظلمة عنه من أمامه وعن جانبيه إلى أن تنقشع وتزول ; ولذلك سمي فجرا فإن الفجر بمعنى الفلق كما تقدم آنفا. والله تعالى هو فالق الإصباح بنور الشمس الذي يتقدمها ; إذ هو خالقها ومقدر مواقع الأرض منها في سيرها، كما نبينه في الآية الثالثة من آيات هذه الآية فإنها معللة للآيتين قبلها،
والمراد من التذكير بالآية الأولى التأمل في صنع الله بفري الليل إذا عسعس، عن صبحه إذا تنفس، وإفاضة النور الذي هو مظهر جمال الوجود، ومبدأ زمن تقلب الأحياء في القيام والقعود، والركوع والسجود، ومضيهم في تجلي النهار إلى ما يسروا له من الأعمال، وما لله في ذلك من نعم وحكم وأسرار.
ويدل على ذلك ذكر الآية الثانية بفائدتها، وهي آية الليل يجعله الله سكنا، فهذا المذكور يدل على مقابلة المحذوف، وهو جعل النهار وقتا للحركة بالسعي للمعاش، والعمل الصالح للمعاد، وقد صرح بنوعي الفائدتين في آيات كقوله تعالى:
{ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } [القصص: 73] فهذه الآية على إيجازها جامعة للفوائد الدنيوية والدينية،
وفيها اللف والنشر، أي لتسكنوا في الليل وتطلبوا الرزق من فضل الله في النهار، وليعدكم لشكر نعمه عليكم بهما، وبمنافعكم في كل منهما.
ومن الآيات المصرحة بذكرهما ما قرن بالتذكير بفائدتهما الدنيوية فقط كقوله تعالى:
{ وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا } [النبأ: 10-11] ومنها ما قرن بالتذكير بفائدتهما الدينية فقط كقوله تعالى: { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } [الفرقان: 62] فيا لله من إيجاز القرآن وبلاغته، في اختلاف عبارته!!.
قرأ عاصم والكسائي " وجعل الليل " بالفعل الماضي، وقرأه الجمهور بصيغة اسم الفاعل " وجاعل " ورسمهما في المصحف الإمام واحد، والأولى تقوي جانب الإعراب ; فإن الشمس والقمر المعطوفين على الليل منصوبان بإجماع القراء، ولا يظهر نصبهما على القراءة الثانية إلا بتقدير جعل، أو جعل " جاعل " بمعناه، وهو تكلف يجتنب في الفصيح.
والثانية تناسب السياق والنسق بعطف الاسم على الاسم وهو الأصل الذي لا يخرج عنه في الفصيح إلا لنكتة. فبالجمع بين القراءتين زال التكلف وتم التناسب، فيا لله من فصاحة القرآن في عبارته، واختلاف قراءته!!.
والسكن - بالتحريك - السكون وما يسكن فيه من مكان كالبيت وزمان كالليل، وكذا ما يسكن إليه، وهو ما اختاره الكشاف هنا قال: السكن ما يسكن إليه الرجل أي وغيره ويطمئن استئناسا به واسترواحا إليه من زوج أو حبيب، ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها، ألا تراهم سموها المؤنسة، والليل يطمئن إليه المتعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه.
ويجوز أن يراد وجعل الليل مسكونا فيه من قوله: (لتسكنوا فيه) انتهى. وهذا الأخير المرجوح عنده هو الراجح المختار عندنا إلا أنه يجوز الجمع بينهما،
ودليل الترجيح نص (لتسكنوا فيه) وكون المسكون فيه أعم وأظهر من المسكون إليه ; فإن كثيرا من الناس يستوحشون من الليل ولا يأنسون به، وإن كان له على آخرين أياد جلية أو خفية، تنقض مذهب المانوية، فيستطيله المرضى والمهمومون والمهجورون، ويستقصره العابدون الواصلون، والعاشقون الموصولون، فذلك يقول ما أطوله ويطلب انجلاءه، وهذا يقول ما أقصره ويتمنى بقاءه:

يود أن سواد الليل دام له... وزيد فيه سواد القلب والبصر.

والمراد بالسكون فيه ما يعم سكون الجسم وسكون النفس. أما سكون الجسم فبراحته من تعب العمل بالنهار، وأما سكون النفس فبهدوء الخواطر والأفكار، والليل زمن السكون لأنه لا يتيسر فيه من الحركة وأنواع الأعمال ما يتيسر في النهار، لما خص به الأول من الإظلام والثاني من الإبصار { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب } [الإسراء: 12]
فأكثر الأحياء من إنسان وحيوان تترك العمل والسعي في الليل وتأوي إلى مساكنها ; للراحة التي لا تتم وتكمل إلا بالنوم الذي تسكن به الجوارح والخواطر ببطلان حركتها الإرادية، كما تسكن به الأعضاء الرئيسية سكونا نسبيا بقلة حركتها الطبيعية، فتقل نبضات القلب بوقوفها بين كل نبضتين، ويقل إفراز خلايا الجسم للسوائل والعصارات التي تفرزها، ويبطئ التنفس ويقل ضغط الدم في الشرايين، ولا سيما في أول النوم إذ تكون الحاجة إلى الراحة به على أشدها، ويضعف الشعور حتى يكاد يكون مفقودا، فيستريح الجهاز العصبي ولا سيما الدماغ والحبل الشوكي، وتستريح جميع الأعضاء باستراحته، ونقل الفضلات التي تنحل من البدن وتكثر الدقائق التي تتكون من الدم لتحل محلها. وإنما تكثر الفضلات وانحلال الذرات بكثرة العمل، فالعمل العقلي يجهد الدماغ، والعضلي يجهد الأعضاء العاملة، فتزداد الحرارة ويكثر الاحتراق بحسب كثرة العمل وتكون الحاجة إلى الراحة بالنوم بقدر ذلك، وقد علل النوم تعليلات كثيرة، ولما يصل العلماء إلى كشف سره واستجلاء كنه سببه.
وأما الآية الثالثة الكونية في الآية فهي جعل الشمس والقمر حسبانا أي علمي حساب، لأن طلوعهما وغروبهما وما يظهر من تحولاتهما واختلاف مظاهرهما كل ذلك بحساب كما قال تعالى:
{ الشمس والقمر بحسبان } [الرحمن: 5] فما هنا بمعنى آية الإسراء (17: 12) التي ذكرت آنفا وآية يونس { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } [يونس: 5]
فالحساب بالكسر والحسبان بالضم مصدران لحسب يحسب (من باب نصر) وهو استعمال العدد في الأشياء والأوقات، وأما الحسبان بالكسر فهو مصدر حسب (بوزن علم) وفضل الله تعالى في ذلك عظيم ; فإن حاجة الناس إلى معرفة حساب الأوقات لعباداتهم ومعاملاتهم وتواريخهم لا تخفى على أحد منهم في جملتها، وعند خواص العلماء من ذلك ما ليس عند غيرهم، وعلماء الفلك والتقاويم متفقون في هذا العصر على أن للأرض حركتين، حركة تتم في 24 ساعة وهي مدار حساب الأيام، وحركة تتم في سنة وبها يكون اختلاف الفصول وعليها مدار حساب السنين الشمسية، ولعلنا نشرح هذا في تفسير سورة يونس وغيرها.
{ذلك تقدير العزيز العليم} أي ذلك الجعل العالي الشأن، البعيد المدى في الإبداع والإتقان، فوق بعد النيرات عن الإنسان، الترتب على ما ذكر من سبب اختلاف الأيام والفصول وتقدير السنن الشمسية، ومن تشكلات القمر التي نعرف بها الشهور القمرية، هو تقدير الخالق الغالب على أمره في تنظيم ملكه، الذي وضع المقادير والأنظمة الفلكية وغيرها بما اقتضاه واسع علمه، فهذا النظام والإبداع من آثار عزته وعلمه عز وجل، فليس في ملكه جزاف ولا خلل
{ إنا كل شيء خلقناه بقدر } [القمر: 49].
{وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} هذا نوع آخر من آيات التكوين العلوية مقرون بفائدته في تعليل جعله، والمراد بالنجوم ما عدا الشمس والقمر من نيرات السماء لأن ذلك هو المتبادر من السياق والمعهود في الاهتداء، ذكرنا تعالى ببعض فضله في تسخير هذه النيرات التي ترى صغيرة بعد التذكير ببعض فضله في النيرين الأكبرين في أعين الناس، وقيل: إنهما يدخلان في عموم النجوم لأن القمر مما يهتدى به في الظلمات، فإذا استثنيت بعض ليالي الشهر قلنا: وأي نجم يهتدى به في جميع الأوقات؟ وكانت العرب في بداوتها تؤقت بطلوع النجم لأنهم ما كانوا يعرفون الحساب، وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء، وهي نجوم القمر في مطالعها ومغاربها - وسيأتي بيان ذلك في موضوع آخر -
وقد سموا الوقت الذي يجب الأداء فيه " نجما " تجوزا ; لأن الاستحقاق لا يعرف إلا به، ثم سموا المال الذي يؤدى نجما وقالوا: نجمه إذا جعله أقساطا. وفي الظلمات هنا وجهان ظلمات الليل بالبر والبحر وأضافهما إليها لملابستها لهما، أو مشتبهات الطرق شبهها بالظلمات قاله في الكشاف. وكان اهتداؤهم بالنجوم قسمان أحدهما معرفة الوقت من الليل أو من السنة، والثاني معرفة المسالك والطرق والجهات. وقد سبق ذكر الظلمات وبيان أنواعها في البر والبحر في تفسير الآية " 63 " من هذه السورة.
وهاهنا يذكر المفسرون النهي عن علم النجوم الذي يزعم أهله أنهم يعرفون به ما سيكون في المستقبل من الأحداث قبل حدوثها. ومنهم من بالغ فأطلق النهي عن علم النجوم إلا القدر الذي يهتدى به في الظلمات ويعرف به الحساب، ويحصل به الاعتبار بزينة السماء ; لأن هذه الأشياء هي التي هدى إليها الكتاب.
والصواب أن المذموم هو تلك الأوهام التي يزعمون معرفة الغيب بها دون علم الهيئة الفلكية الذي يعرف به من آيات قدرة الله وعلمه وحكمته ما لا يعرف من علم آخر، وقد اتسع هذا العلم في عصرنا هذا بما استحدث أهله من المراصد المقربة للأبعاد، والآلات المحللة للنور التي يعرف بها سرعة سيره، وأبعاد الأجرام السماوية بعضها من بعض، ومساحة الكواكب وكثافتها والمواد المؤلفة منها. وإننا نقتبس مما نقل عن علماء الهيئة كلمة في أبعاد بعض النجوم الثوابت التي هي شموس من جنس شمسنا ليعلم بها قدر علم ربنا وسعة ملكه.
" النجوم تعد بالملايين، لكن علماء الفلك لم يتمكنوا حتى الآن إلا من معرفة إبعاد بعض المئات منها ; لأن سائرها أبعد من أن يرى اختلاف في مواقعه، والذي عرف بعده منها جرت العادة ألا يحسب بعده بالأميال، بل بالمسافة التي يقطعها النور في سنة من الزمان، فإن النور يسير 86000 ميل في الثانية فيقطع في الدقيقة 5160000 ميل، وفي السنة نحو 6000000000000 ميل، وقد وجد بالرصد أن أقرب النجوم منا لا يصل نوره إلينا إلا في أربع سنوات ونحو نصف سنة، فيقال إن بعده عنا أربع سنوات ونصف سنة نورية. ومن النجوم ما لا يصل النور منه إلينا إلا في ألف سنة أو أكثر، فالنجم المسمى النسر الواقع يصل النور منه إلينا في نحو ثلاثين سنة لأن بعده عنا نحو 180000000000000، والنجم المسمى بالسماك الرامح يصل النور منه إلينا في نحو خمسين سنة لأن بعده عنا 300000000000000 وأما الشعرى العبور وهو أسطع النجوم نورا فبعدها عنا نحو تسع سنوات نورية، والعيوق بعده عنا نحو 32 سنة نورية.
وأول من قاس أبعاد النجوم بالضبط الفلكي (ستروف) فإنه قاس بعد " النسر الواقع من (سنة 1835 إلى سنة 1838 ميلادية) فجاءت نتيجة قياسه مطابقة لنتيجة القياسات الحديثة مع أن الفلكيين يستخدمون الآن من الوسائل ما لم يكن معروفا في عصره " اهـ.
ولعل كثرة الآيات في عالم السماء هي نكتة تذييل الآية بقوله تعالى:
{قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} سواء أريد بها آيات التنزيل أو آيات التكوين. فإن أريد بها المعنى الأول فوجهه أن هذه الآية وما قبلها وما في معناهما من الآيات المنزلة في الحث على النظر في ملكوت السماء كله تفصيل مبين لطرق النظر والبحث في العالم السماوي للذين يعلمون بالفعل أو بالقوة والاستعداد شيئا من حكم الله تعالى وعجائب صنعه فيه، فيزدادون بهذا التفصيل بحثا وعلما، فيكون علمهم ناميا مستمرا. وإن أريد الثاني فوجهه أظهر، وهو أن الآيات الدالة على علم الله تعالى وحكمته وفضله على خلقه، لا يستخرجها من النظر في النجوم إلا الذين يعلمون، أي أهل العلم بهذا الشأن، الذين يقرنون العلم بالاعتبار، ولا يرضون بأن يكون منتهى الحظ، ما تمتع به اللحظ، ولا غاية النظر والحساب، أن يقال إن هذا لشيء عجاب.
ومن الاعتبار قول صاحب المقتطف بعد مقالات لخص فيها بعض " بسائط علم الفلك " - ومنها الكلمة المذكورة آنفا - فإنه قال لما انتهى من الكلام على النظام الشمسي ورجح أنه لا يصلح شيء من سياراته لحياة البشر غير الأرض، وأنه يحتمل أن تكون سيارات سائر الشموس كذلك، وكلها أكبر من هذه الشمس، قال: " والإنسان أوسع هذه المخلوقات إدراكا، وهو على سعة إدراكه لا يعلم تركيب جسم النملة، ولا كيفية تجمع الدقائق في حبة الرمل، علم واسع وجهل مطبق. وكلاهما ناطق بأن مبدع هذا الكون أعظم وأعلم وأحكم من كل ما يتصور عقل الإنسان؟ ".
{وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع} بعد أن ذكرنا الله تعالى ببعض آياته الكونية في الأرض وفي السماء ذكرنا في هذه الآية ببعض آياته في أنفسنا. الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته أو إحداثه بالتدريج. وقد استعمل في التنزيل في خلق الإنسان بجملته وخلق أعضائه ومشاعره، وإيجاد الأقوام والقرون من أمم بعضها في إثر بعض، وفي البعث، وفي خلق الشجر والجنات، وفي إحداث السحاب. قال في حقيقة الأساس: وأنشأ حديثا وشعرا وعمارة انتهى. والنفس ما يحيا به الإنسان وذاته فيطلق على الروح وعلى المرء المركب من روح وبدن.
والمستقر (بفتح القاف) حيث يكون القرار والإقامة. قال تعالى:
{ ولكم في الأرض مستقر } [البقرة: 36] كما قال: { جعل الأرض قرارا } [النمل: 61] قال الراغب: قر في مكانه يقر قرارا إذا ثبت ثبوتا جامدا، وأصله من القر وهو البرد وهو يقتضي السكون، والحر يقتضي الحركة انتهى.
والمستودع موضع الوديعة وهو ما يتركه المرء عند غيره مؤقتا ليأخذه بعد، فهي فعيلة من ودع الشيء إذا تركه بمعنى مفعولة. ويكون كل من المستقر والمستودع مصدرا ميميا بمعنى الاستقرار والاستيداع، ويكون الثاني اسم مفعول بمعنى الوديعة، ولا يكون الأول كذلك لأن فعله لازم إلا ما جاء على طريقة الحذف كقول النحاة ظرف مستقر، أي مستقر فيه.
والمعنى أنه تعالى هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، وهي إما الروح التي هي الخلق الآخر في قوله تعالى بعد ذكر أطوار خلق الجسد:
{ ثم أنشأناه خلقا آخر } [المؤمنون: 14] وإما الذات المركبة من الروح والجسد، والمراد بها الإنسان الأول الذي تسلسل منه سائر الناس بالتوالد بين الأزواج، وهو عندنا وعند أهل الكتاب آدم عليه السلام وتقدم مثل هذا في أول سورة النساء مع بحث طويل في تفسيره، وسيجيء شبهه في سورة الأعراف.
وفي إنشاء جميع البشر من نفس واحدة آيات بينات على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته، وفي التذكير به إرشاد إلى ما يجب من شكر نعمته، ومن وجوب التعارف والتآلف والتعاون بين البشر، وعدم جعل تفرقهم إلى شعوب وقبائل مدعاة للتعادي والتقاتل، وقد فصلنا القول في هذا المعنى في أول تفسير آية سورة النساء.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو " المستقر " بكسر القاف والباقون بفتحها، واختلف في المراد بالمستقر والمستودع، فروى جمهور رواة التفسير وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: المستقر - بالفتح - ما كان في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب - وفي لفظ: المستقر ما في الرحم وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حي ومما هو قد مات - وفي لفظ: المستقر ما كان في الأرض، والمستودع ما كان في الصلب، وروي عن ابن مسعود أنه قال في تفسير العبارة: " مستقرها " في الدنيا " ومستودعها " في الآخرة، أي النفس. وفي رواية عنه: المستقر الرحم، والمستودع المكان الذي يموت فيه. وروي مثله عن الحسن وقتادة، وأورد الرازي قول الحسن مفسرا له فقال: المستقر حاله بعد الموت ; لأنه إن كان سعيدا فقد استقرت تلك السعادة، وإن كان شقيا فقد استقرت تلك الشقاوة، ولا تبديل في أحوال الإنسان بعد الموت. وأما قبل الموت فالأحوال متبدلة، فالكافر قد ينقلب مؤمنا والزنديق قد ينقلب صديقا، فهذه الأحوال لكونها على شرف الزوال والفناء لا يبعد تشبيهها بالوديعة.
وذكر للأصم قولين، أحدهما: أن المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها، والمستودع الذي لما يخلق بعد. وثانيهما: المستقر من استقر في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور حتى يبعث. وإنما يظهر وجه هذين القولين على قراءة كسر القاف أو المستقر بفتح القاف مصدرا وحكي عن أبي مسلم الأصفهاني أن التقدير - فمنكم مستقر ذكر ومنكم مستودع أنثى، فعبر عن الذكر بالمستقر ; لأن النطفة تتولد في صلبه، وعبر عن الأنثى بالمستودع لأن الرحم شبهة بالمستودع. ولعله أخذه من الشاعر.

وإنما أمهات الناس أوعية... مستودعات وللآباء أبناء.

وأقول: ليس في الكتاب العزيز ما نستعين به على تفسير هذه العبارة - كدأبنا في تفسير القرآن بالقرآن - إلا قوله تعالى في سورة الحج: { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم } [الحج: 5] الآية. وقوله تعالى في سورة هود: { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } [هود: 6]
قال ابن عباس: " مستقرها " حيث تأوي، " ومستودعها " حيث تموت. وقال: " مستقرها " في الأرحام، " ومستودعها " حيث تموت. فهذا يرجح أن المراد بالمستقر - بفتح القاف - الرحم، والمستودع القبر، وأما المستقر - بكسر القاف - فالظاهر أنه من يطول عمره في الدنيا، كأنه قال: فمنكم مستقر في الدنيا يعمر عمرا طويلا، ومنكم مستودع لا استقرار له فيها بل تخترمه المنية طفلا أو يافعا. ويمكن تفسير قراءة الفتح بهذا أي فمنها ذو استقرار وذو استيداع.
وآخر ما خطر لي بعد تلخيص أقوال المفسرين أن المستقر الروح - وهو يذكر ويؤنث - والمستودع البدن. والجملة مما يتسع المجال فيه للتفسير والتقدير والإيجاز مقصود به.
{قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} أي قد جعلنا الآيات المبينة لسنتنا في خلق البشر مفصلة، كل فصل ونوع منها يدل على قدرة الخالق وإرادته، وعلمه وحكمته، وفضله ورحمته، فصلناها كذلك لقوم يفقهون ما يتلى عليهم، أي يفهمون المراد منه ومرماه ويفطنون لدقائقه وخفاياه، فالفقه - وإن فسر بالعلم وبالفهم - أخص منهما.
قال الراغب: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم.
وقال ابن الأثير في النهاية إن اشتقاقه من الفتح والشق.
وأحسن منه قول الحكيم الترمذي: إن فقه وفقأ واحد فإن الإبدال بين الهمزة والهاء كثير وفقأ البثرة شقها وسبر غورها، فالفقء مستعمل في الحسيات والفقه في المعنويات، والجامع بينهما النظر في أعماق الشيء وباطنه.
فمن لا يفهم إلا ظواهر الكلام ولا يفطن إلا لمظاهر الأشياء لا يقال إنه فقه ذلك، وإنما سمي علم الشرع فقها لما فيه من الاستنباط. ولما كان استخراج الحكم والعبر من خلق البشر يتوقف على غوص في أعماق الآيات، وفطنة في استخراج دقائق الحكم والبينات، عبر عنها بالفقه، وأما العلم بمواقع النجوم. والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر فهو من الأمور الظاهرة التي لا تتوقف على دقة النظر ولا غوص الفكر، وكذلك أكثر مظاهر علم الفلك ; فلذلك اكتفى في الآية السابقة لهذه بالتعبير بالعلم الشامل لما لا يشترط فيه دقة الاستنباط كظواهره، ولعبره كدقائقه. وقد فطن لذلك الزمخشري - وما أجدره به - فقال: (فإن قلت) لم قيل " يعلمون " مع ذكر النجوم، و (يفقهون) مع ذكر إنشاء بني آدم؟ (قلت): لأن إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له انتهى. وتعقبه ابن المنير فزعم أن هذا كلام صناعي، وأن التحقيق أن اختلاف التعبير للتفنن. وذكر وجها آخر بناء على زعمه أن الفقه أدنى درجات العلم ; لأنه عبارة عن مجرد الفهم، وما بني على الفاسد فاسد، وأين هو في فهم أسرار اللغة من الزمخشري؟ وأين المقلد لظواهر بعض النقول من الإمام اللوذعي؟ وأيهما السليقي والصناعي؟.
{وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا} هذه الآية المنزلة مرشدة إلى نوع آخر من آيات التكوين وهو إيجاد الماء، وإنزاله من السماء، وجعله سببا للنبات، وجعل النبات المسبب عنه أنواعا كثيرة، مشتبهة وغير متشابهة، وبذلك يلتقي آخر هذا السياق بأوله. أي وهو الذي أنزل من السحاب ماء، فأخرجنا بسبب هذا الماء الواحد نبات كل شيء من أصناف هذا النامي الذي يخرج من الأرض، فأخرجنا منه أي من النبات خضرا أي شيئا غضا أخضر بالخلقة لا بالصناعة، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحب كساق النجم وأغصان الشجر، نخرج منه أي من هذا الأخضر المتشعب من النبات آنا بعد آن حبا متراكبا بعضه فوق بعض وهو السنبل - فهذا تفصيل لنماء النجم الذي لا ساق له من النبات ونتاجه، وعطف عليه حال نظيره من الشجر فقال
{ومن النخل من طلعها قنوان دانية}، النخل الشجر الذي ينتج التمر، يستعمل لفظه في المفرد والجمع، وجمعه نخيل. و (من طلعها) بدل مما قبله، وطلعها أول ما يطلع أي يظهر من زهرها الذي يكون منه ثمرها، وقبل أن ينشق عنه كافوره أي وعاؤه، وما ينشق عنه الكافور من الطلع يسمى الغريض والإغريض، والقنوان جمع قنو - بالكسر - وهو العذق الذي يكون فيه الثمر، ومثله في وزنه واستواء مثناه، وجمعه الصنو والصنوان وهو ما يخرج من أصل الشجرة من الفروع. والقنوان من النخل كالعناقيد من العنب والسنابل من القمح، والمعنى أنه يخرج من طلع النخل قنوان دانية القطوف سهلة التناول، أو بعضها دان قريب من بعض لكثرة حملها.
{وجنات من أعناب} قرأ الجمهور " جنات " بالنصب وتقدير الكلام: ونخرج منه - أي من ذلك الخضر - جنات من أعناب. وقرأها أبو بكر عن عاصم بالرفع وهو المروي عن علي المرتضى وابن مسعود والأعمش وغيرهم. وتقدير الكلام: ولكم جنات من أعناب - أو - وهناك جنات - أو - ومن الكرم جنات إلخ. وسنبين حكمة اختلاف الإعراب بعد
{والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه} أي وأخص من نبات كل شيء الزيتون والرمان حال كونه مشتبها في بعض الصفات، غير متشابه في بعض آخر. قيل: إن هذه الحال من الرمان وحده فإنه أنواع تشتبه في شكل الورق والثمر وتختلف في لون الثمر وطعمه، فمنه الحلو والحامض والمز. وقيل: إن الحال من مجموع الزيتون والرمان، أي مشتبها وغير متشابه وذلك ظاهر مما قبله.
وصرحوا بأن المشتبه والمتشابه هنا بمعنى، إذ يقال: اشتبه الأمران وتشابها كما يقال استويا وتساويا. وقد قرئ في الشواذ " متشابها وغير متشابه " وهو ما أجمعوا عليه في آية
{ وهو الذي أنشأ جنات معروشات } [الأنعام: 141] إلخ. وستأتي،
والحق أن بين الصيغتين فرقا فمعنى اشتبها التبس أحدهما بالآخر من شدة الشبه بينهما، ومعنى تشابها أشبه أحدهما الآخر ولو في بعض الوجوه والصفات، فهذا أعم مما قبله. ولا شك في أن بعض ما ذكر يتشابه ولا يشتبه، وبعضه يتشابه حتى يشتبه، حتى على البستاني الماهر، كما شاهدنا ذلك واختبرناه في بعض أنواع الرمان الحلو مع الحامض، وهذا من دقة تعبير التنزيل في تحديد الحقائق.
{انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} أي انظروا نظر تأمل واعتبار إلى ثمر ما ذكر إذا هو تلبس واتصف بالإثمار، وإلى ينعه عندما يينع، أي يبدوا صلاحه وينضج، وتأملوا صفاته في كل من الحالين وما بينهما، يظهر لكم من لطف الله وتدبيره، وحكمته في تقديره، ما يدل أوضح الدلالة على وجوب توحيده
{إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} أي في ذلكم الذي أمرتم بالنظر إليه، والنظر فيه دلائل عظيمة أو كثيرة للمستعدين للاستدلال من المؤمنين بالفعل والمستعدين للإيمان، وأما غيرهم فإن نظرهم كنظر الطفل وإن كانوا من العالمين بأسرار عالم النبات، والغواصين على ما فيه من المحاسن والنظام، لا يتجاوز هذه الظواهر، ولا يعبرها إلى ما تدل عليه من وجود الخالق، ومن إثبات صفاته التي تتجلى فيها، ووحدته التي ينتهي النظام إليها، وإن كانوا يعلمون أن وحدة النظام في الأشياء المختلفة، لا يمكن أن تصدر عن إرادات متعددة.
ومن مباحث البلاغة في الآيات، واختلاف الإعراب والترتيب بين المتناسبات، أن هذا السياق بدئ بفلق الحب والنوى وإخراج الحي من الميت وعكسه. وقفى عليه بما يناسبه من فلق الإصباح، وعطف على هذا ما يقابله من معاقبة الليل للنهار، وأشير إلى فوائدهما وفوائد النيرين، اللذين هما آيتا هذين الملوين، وناسب ذكر النيرين التذكير بخلق النجوم، والمنة بالاهتداء بها
والإيماء إلى ما فيها من آيات العلوم، ثم عطف على هذا النوع من الآيات إنشاؤنا من نفس واحدة فمنها المستقر والمستودع، وقفى عليه بإنزال الماء، وجعله سببا لنبات كل شيء من هذه الأحياء، وكل منهما تفصيل لقوله في الآية الأولى من السياق: {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} وقد لون في تفصيل خلق النبات الخطاب،
وتفنن في طرق الإعراب ; للتنبيه إلى ما فيه من أنواع الألوان، وتشابه ما فيه من الثمار والأفنان، فبدئت الآية بضمير الواحد الغائب المفرد تبعا لسياق ما قبلها من هذه الآيات، وعطف عليه ضمير المتكلم الجمعي بطريق الالتفات. إذ قال: {فأخرجنا به نبات كل شيء} بعد قوله: {أنزل من السماء ماء} فحكمة الالتفات أن تلتفت الأذهان إلى ما يعقب ذلك من البيان، فتتنبه إلى أن هذا الإخراج البديع، والصنع السنيع، من فعل الحكيم الخلاق، لا من فلتات المصادفة والاتفاق،
ولما كان الماء واحدا والنبات جمعا كثيرا ناسب إفراد الفعل الأول وجمع الفعل الآخر، ومعلوم أن الواحد إذا قال فعلنا أراد إفادة تعظيم نفسه إذا كان مقامه أهلا لذلك كما يقول الملك أو الأمير - حتى في هذا العصر - في أول ما يصدره من نحو نظام أو قانون " أمرنا بما هو آت " ونكتة العدول عن الماضي إلى المضارع في قوله: {نخرج منه حبا متراكبا} تحصل بإرادة استحضار صورته العجيبة في حسنها وانتظامها، وتنضد سنابلها واتساقها،
وعطف عليه ما يخرجه تعالى من طلع النخل، من القنوان المشابه لسنابل القمح، في تنضد ثمره وتراكبها، ومنافعها وغرائبها، فإن في كل منهما أفضل غذاء للناس، وعلف للدواب والأنعام، وذكر بعده جنات الأعناب ; لأنها أشبه بالنخيل في هذه الأبواب، فالعناقيد تشبه العراجين في تكونها، وتراكب حبها وألوان ثمرها، كما تشبهها في درجات تطورها، فالحصرم كالبسر، والعنب كالرطب، والزبيب كالتمر، ويخرج من كل منهما عسل وخل وخمر،
ثم ذكر الزيتون والرمان معطوفا على نبات كل شيء أو منصوبا على الاختصاص، لا على ما قبله من النخيل والأعناب ; لأن ما بينهما من التشابه في الصورة، محصور في الورق دون الثمرة، وأما مكانهما من المنفعة والفائدة، فالأول في الدرجة الثالثة والآخر في الدرجة الرابعة، ذلك بأن الزيتون وزيته غذاء فقط ولكنه تابع للطعام غير مستقل بالتغذية. والرمان فاكهة وشراب فقط ولكنهما دون فواكه النخيل والأعناب وأشربتهما في المرتبة، فناسب جعله بعدهما، والإشارة باختلاف الإعراب إلى رتبة كل منهما، وبناء على اختلاف المراتب قدم نبات الحب على الجميع ; لأنه الغذاء الأعظم الأعم لأكثر الناس وأكثر أنواع الحيوان الأهلية التي تقوم أكثر مرافقهم ومنافعهم بها، فسبحان من هذا كلامه.