التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ
١١
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
١٢
قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ
١٣
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤
قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ
١٥
قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
١٦
ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
١٧
قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ
١٨
-الأعراف

تفسير المنار

هذا شروع في بيان ما أشرنا إليه من خلق أصل النشأة الآدمية، واستعداد الفطرة البشرية، وعلاقتها بالأرواح الملكية والشيطانية، وما يعرض لها من موانع الكمال بإغواء عدو البشر الشيطان، ويليه ما يترتب عليه من الهداية والإرشاد إلى ما يتقى به ذلك الإغواء والفساد، قال تعالى:
{ولقد خلقناكم ثم صورناكم} الخطاب لبني آدم، والمعنى خلقنا جنسكم أي مادته من الصلصال والحمأ المسنون وهو الماء والطين اللازب المتغير الذي خلق منه الإنسان الأول، ثم صورناكم بأن جعلنا من تلك المادة صورة بشر سوي قابل للحياة، أو قدرنا إيجادكم تقديرا، ثم صورنا مادتكم تصويرا، ومعنى الخلق في أصل اللغة التقدير ثم أطلق على إيجاد الشيء المقدر على صفة مخصوصة.
قال في حقيقة المادة من أساس البلاغة: خلق الخراز الأديم {أي الجلد} والخياط الثوب - قدره قبل القطع، وأخلق لي هذا الثوب {قال} ومن المجاز خلق الله الخلق أوجده على تقدير أوجبته الحكمة اهـ. ولكن هذا المجاز اللغوي صار حقيقة شرعية. وهذا التفسير أظهر من حيث اللغة وهو يصدق بخلق آدم وبخلق مجموع الناس، فإن كل فرد من الأفراد يقدر الله خلقه ثم يصور المادة التي يخلقه منها في بطن أمه.
وقد اختلفت الروايات عن مفسري السلف في الجملتين، فعن ابن عباس ثلاث روايات:
(إحداها) ورواتها كثيرون وصححها بعضهم على شرط الشيخين قال فيهما: خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء.
(والثانية) خلقوا في ظهر آدم ثم صوروا في الأرحام. أخرجها الفريابي.
(والثالثة) قال: أما " خلقناكم " فآدم، وأما " ثم صورناكم " فذريته. أخرجها ابن جرير وابن أبي حاتم. وروي عن قتادة نحوها قال: خلق الله آدم من طين ثم صوركم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسا العظام لحما. وعن مجاهد: خلقناكم يعني آدم، ثم صورناكم يعني في ظهر آدم.
وعن الكلبي قال: خلق الله الإنسان في الرحم ثم صوره فشق سمعه وبصره وأصابعه اهـ. ملخصا من الدر المنثور. والتقدير الذي ذكرناه أولا هو الموافق عليه الجمهور. والإنسان الأول عندنا وعند أهل الكتاب والهندوس آدم عليه السلام ولذلك قال:
{ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} أي قلنا ذلك بعد أن سويناه ونفخنا فيه من روحنا، ما جعلناه به خليفة في الأرض وعلمناه الأسماء كلها، كما تقدم تفصيله في سورة البقرة. {فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} أي لم يكن من جملتهم لأنه أبى واستكبر وفسق عن أمر ربه. وهو من الجن لا منهم. وإن كانت الجن نوعا من جنسهم، أو الجنة {بالكسر} جنسا للملائكة وللشياطين الذين هم مردة الجن وأشقياؤهم. وهذا السجود تكريم من الله لآدم لا سجود عبادة، إذ نص القرآن القطعي قد تكرر بأنه لا يعبد إلا الله وحده، أو هو بيان لاستعداد آدم وذريته وما صرفهم الله تعالى به من قوى الأرض التي تدبرها الملائكة بأسلوب التمثيل القصصي، والأمر فيه وفيما بعده تكويني قدري، لا تكليفي شرعي، فهو كقوله في خلق السموات والأرض:
{ فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } [فصلت: 11] وسيأتي توضيحه في أثناء القصة وفي نهايتها إن شاء الله تعالى -
وقد روي عن ابن عباس أن هذا السجود كرامة كرم الله بها آدم. وقال: كانت السجدة لآدم والطاعة لله. ومثله عن قتادة، وزاد أن إبليس حسد آدم على هذا التكريم، والدليل على أنه تكريم امتحن الله تعالى به طاعة ذلك العالم الغيبي له فظهرت عصمة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وفسق إبليس، قوله تعالى حكاية عن إبليس في سورة الإسراء:
{ قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا } [الإسراء: 62] حسده على هذا التكريم فحمله الحسد على الاستكبار والفسوق عن أمر الله كما صرحت به الآيات المختلفة في البقرة والكهف وغيرهما ويدل عليه جواب السؤال التالي.
{قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} أي قال تعالى له: ما منعك من امتثال الأمر فحملك على ألا تسجد لآدم مع الساجدين في الوقت الذي أمرتك فيه بالسجود؟ واستدل علماء الأصول بهذا على أن الأمر يقتضي الوجوب على الفور، {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} أي منعني من ذلك أنني أنا خير منه؛ لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار خير من الطين وأشرف، ولا ينبغي للأشرف أن يكرم من دونه ويعظمه، أي وإن أمره بذلك ربه، وهذا الجواب يتضمن ضروبا من الجهل الفاضح، ما أوقع اللعين فيها إلا حسده وكبره فإنهما يعميان البصائر.
الأول الاعتراض على ربه وخالقه كما تضمنه جوابه، ومثله في هذا كل من يعترض على كلام الله تعالى فيما لا يوافق هواه، وهذا كفر لا يقع مثله من مؤمن بالله وبكتابه، فإن المؤمن إذا خفيت عليه حقيقة أو حكمة لله في شيء من كلامه بحث عنها بالتفكر والبحث وسؤال العلماء، وصبر إلى أن يهتدي إلى ما يطمئن به قلبه، مكتفيا قبل ذلك بأن الله تعالى يعلم ما لا يعلم من حقائق خلقه، وحكم شرعه، وفوائد أمره ونهيه.
الثاني الاحتجاج عليه بما يؤيد به اعتراضه، والمؤمن المذعن لا يحتج على ربه، بل يعلم أن لله الحجة البالغة.
الثالث جعل امتثال أمر الرب تعالى مشروطا باستحسان العبد له وموافقته لرأيه وهواه، وهو رفض لطاعة الرب، وترفع عن مرتبة العبد، وتعال منه إلى وضع نفسه موضع الند، وهو في حكم الدين كفر، وفي العقل حماقة وجهل، فإن الرئيس لأية حكومة أو جيش أو جمعية أو شركة إذا كان لا يطيعه المرءوسون له إلا فيما يوافق أهواءهم، وآراءهم، لا يلبث أمرهم أن يفسد بأن تختل الحكومة وتسقط، وينكسر الجيش ويهلك، وتنحل الشركة وتفلس،
وهكذا يقال في كل مصلحة يقوم بإدارتها كثرة، يرجع نظامها إلى جهة واحدة، كبوارج الحرب وسفن التجارة ومعامل الصناعة، فإذا كان الصلاح والنظام في كل أمر يتوقف على طاعة الرئيس وهو ليس ربا تجب طاعته لذاته ولا لنعمه، ولا معصوما من الخطأ فيما يأمر به، فما القول في وجوب طاعة رب العالمين على عبيده؟! ويشارك إبليس في هذا الجهل وما قبله كثيرون ممن يسمون أنفسهم مؤمنين: يتركون طاعة الله تعالى فيما أمر به مما يخالف أهواءهم، ويحتجون على ترك الصيام مثلا بأن لا فائدة في الجوع والعطش، أو بأن الله غني عن صيامهم!! على أن حكم الصيام كثيرة جلية كما بيناها مرارا في التفسير (ص117 وما بعدها ج 2 ط الهيئة). وفي المنار.
روى أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر الصادق عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
"أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له اسجد لآدم فقال أنا خير منه" . إلخ. قال جعفر فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس. وروى ابن جرير عن الحسن. أول من قاس إبليس.
الرابع الاستدلال على الخيرية بالمادة التي كان منها التكوين. وهذا جهل ظاهر من وجوه: (أحدها) أن خيرية المواد بعضها على بعض ليس من الحقائق التي يمكن إثباتها بالبرهان، وإنما هي أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء والأهواء.
وأصول المخلوقات المختلفة التركيب عناصر بسيطة قليلة يرجح أنها متحولة عن أصل واحد كما يعلم من فن الكيمياء. (ثانيها) أن بعض الأشياء النفيسة أصلها خسيس، فالمسك من الدم، وجوهر الألماس من الكربون الذي هو أصل الفحم، والأقذار التي تعاف من مادة الطعام الذي يشتهى ويحب. (ثالثها) أن الملائكة خلقوا من النور وهو قد خلق من مارج من نار، وهو اللهب المختلط بالدخان فما فوقه دخان وما تحته لهب صاف، فإن مادة المرج معناها الخلط والاضطراب. ولا شك في أن النور خير من النار، والنار الصافية خير من اللهب المختلط بالدخان. وقد سجد الملائكة المخلوقون من النور امتثالا لأمر الله تعالى فكان هو أولى، بل أولى بأن يقال له: أولى لك فأولى.
الخامس إذا سلمنا جدلا أن خيرية الشيء ليست في ذاته وصفاته الخاصة التي تفصلها عن غيرها من مقومات نوعه ومشخصات نفسه وصفاته التي يمتاز بها عن غيره، وإنما هي تابعة للمادة التي هي أصل جنسه - فلا نسلم أن النار خير من الطين، فإن جميع الأحياء النباتية والحيوانية في هذه الأرض مخلوقة من الطين بالذات أو بالواسطة، وهي خير ما فيها بكل نوع من أنواع الاعتبارات التي تعرفها العقول، وليس للنار أو لمارجها مثل هذه المزايا ولا ما يقرب منها.
السادس أن اللعين غفل عما خص الله به آدم من خلقه بيده، والنفخ فيه من روحه، وجعل استعداده العلمي والعملي فوق استعداد غيره من خلقه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، وجعله بتلك المزايا أفضل من أولئك الملائكة، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة.
فهذه أصول الجهل والغباوة التي أوقع إبليس فيها حسده لآدم واستكباره عن طاعة الله بالسجود له. وأنت ترى أن أولياءه ونظراءه من شياطين الإنس مرتكسون فيها كلها والعياذ بالله تعالى، قال قتادة: حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة وقال: أنا ناري وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر، واستكبر عدو الله أن يسجد لآدم فأهلكه الله بكبره وحسده، وسيأتي تفسير الكبر والتكبر.
وهذا التفصيل مبني على كون الأمر بالسجود للتكليف، وأنه وقع حوار فيه بين الرب سبحانه وبين إبليس، وأما على القول بأن الأمر للتكوين {كما سيأتي عن ابن كثير} وأن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، فالمعنى أنه تعالى جعل ملائكة الأرض المدبرة بأمر الله وإذنه لأمورها بالسنن التي عليها مدار نظامها، كما قال تعالى:
{ فالمدبرات أمرا } [النازعات: 5] مسخرة لآدم وذريته، إذ خلق الله هذا النوع مستعدا للانتفاع بها كلها بعلمه بسنن الله تعالى فيها، وبعمله بمقتضى هذه السنن كخواص الماء والهواء والكهرباء والنور والأرض معادنها ونباتها وحيوانها، وإظهاره لحكم الله تعالى وآياته فيها، ومستعدا لاصطفاء الله بعض أفراده، واختصاصهم بوحيه ورسالته، وإقامة من اهتدى بهم لدينه وميزان شرعه.
وقد أشير إلى ذلك في سورة البقرة بقوله تعالى:
{ وعلم آدم الأسماء كلها } [البقرة: 31] إلا أنه جعل الشيطان عاتيا متمردا على الإنسان بل عدوا له، من حيث إن الإنسان بروحه وسط بين روح الملائكة المفطورين على طاعة الله وإقامة سننه في صلاح الخلق، وبين روح الجن الذين يغلب على شرارهم - وهم الشياطين - التمرد والعصيان، وقد أعطى الإنسان إرادة واختيارا من ربه في ترجيح ما به يصعد إلى أفق الملائكة، وما به يهبط إلى أفق الشياطين، وسيأتي تفصيل ذلك في هذا السياق.
وفي الآية من المباحث اللغوية زيادة " لا " في جملة " ما منعك ألا تسجد " إذ قال في سورة " ص ":
{ ما منعك أن تسجد } [ص: 75] وقد عهد في الكلام العربي الفصيح أن تجيء " لا " في سياق النفي الصريح وغير الصريح لتقويته وتوكيده، وكذا في غير النفي وذلك على أنواع منها هذه الآية. وفي معناها قوله تعالى في تحاور موسى وهارون من سورة طه: { قال ياهارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري } [طه: 92، 93] وعدوا من هذا القبيل قوله تعالى: { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } [الأنعام: 109]، وقوله عز وجل: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } [الأنعام: 151] وفي كل منهما معنى النفي وتقدم تفسيرها.
ومنهم من خرج هذه الآيات وأمثالها من الشواهد على جعل " لا " غير زائدة وهي طريقة شيخنارحمه الله . وتقدم ما اخترناه في آيتي الأنعام وأشرنا آنفا في هذه الآية إلى أن منع هنا تتضمن معنى الحمل، والتضمين كثير من التنزيل وكلام العرب ولكن لم يجعله النحويون قياسا، ويستدل عليه كثيرا بالتعدية كما بيناه في تفسير:
{ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } [النساء: 2] إذ ضمن الأكل معنى الضم فعدي ب " إلى "، ويقرب منه تعبير سورة الحجر: { ما لك ألا تكون مع الساجدين } [الحجر: 32] والتقدير: أي شيء عرض لك فحملك على ألا تكون معهم. واختار ابن جرير تضمين المنع هنا معنى الإلزام والاضطرار، فيكون التقدير: ما ألزمك أو اضطرك إلى ألا تسجد.
ومن مباحث البلاغة أن الفصل في حكاية السؤال والجواب جميعا بـ " قال " وارد على طريقة الاستئناف البياني فإن من يسمع السؤال يتشوق لمعرفة الجواب. وينزل منزلة من يسأل عنه فيجاب.
{قال فاهبط منها} الهبوط الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه، أو من مكانة ومنزلة إلى ما دونها. فهو حسي ومعنوي، والفاء لترتيب هذا الجزاء على ما ذكر من الذنب قبله، والضمير عائد إلى الجنة التي خلق الله فيها آدم وكانت على نشز مرتفع من الأرض، وقد كانت اليابسة قريبة العهد بالظهور في خضم الماء، فخير ما يصلح منها لسكنى الإنسان يفاعها وأنشازها، أو التي أسكنه إياها بعد خلقه في الأرض وهي جنة الجزاء على القول بها - يدل على ذلك ما ورد من الأمر بالهبوط له ولآدم وزوجه بعد ذكر سكنى الجنة من سورتي البقرة وطه.
وقيل: إنه يعود إلى المنزلة التي كان عليها ملحقا بملائكة الأرض الأخيار قبل أن يميز الله الخبيث من الطيب من جنس الجنة {بكسر الجيم} بالسجود لآدم، فيكون نوعين ملائكة وشياطين، كما قيل في جنة آدم إنها عبارة عن حياة النعيم الأولى للنوع التي تشبه نعيم الطفولية لأفراده، وتقدم شرح ذلك في تفسير آيات سورة البقرة {فما يكون لك أن تتكبر فيها} أي فما ينبغي لك وليس مما تعطاه من التصرف أن تتكبر في هذا المكان المعد للكرامة، أو في هذه المكانة التي هي منزلة الملائكة لأنها مكانة الامتثال والطاعة.
والكبر اسم للتكبر وهو مصدر تكبر أي تكلف أن يجعل نفسه أكبر مما هي عليه أو أكبر ممن هي في ذاتها أصغر منه، وقد ورد في الحديث الصحيح تفسير الكبر بأنه " بطر الحق وغمط الناس " رواه مسلم وغيره وهو تفسير له بمظهره العملي الذي يترتب عليه الجزاء، وهو ألا يذعن للحق إذا ظهر له بل يدفعه أو ينكره تجبرا وترفعا، وأن يحتقر غيره بقول أو عمل يدل على عدم الاعتراف له بمزيته وفضله، أو بتنقيص تلك المزية بادعاء أن ما دونها هو فوقها سواء ادعى ذلك لنفسه فرفعها على غيرها بالباطل، أو ادعاه لغيره بأن يفضل بعض الناس على بعض بقصد احتقار المفضل عليه وتنقيص قدره.
{فاخرج إنك من الصاغرين} هذا تأكيد للأمر بالهبوط متفرع عليه. أي فاخرج من هذا المكان أو المكانة. وعلل ذلك بقوله على طريق الاستئناف البياني: {إنك من الصاغرين} أي أولي الذلة والصغار، أظهر حقيقتك الامتحان والاختبار الذي يميز بين الأخيار والأشرار، بإظهاره لما كان كامنا في نفسك من عصيان الاستكبار.
{ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } [آل عمران: 179]
وقال بعضهم: إنه تعالى جازاه بضد مراده، إذ أراد أن يرفع نفسه عن منزلتها التي كانت فيها، فجوزي بهبوطها منها إلى ما دونها، كما ورد في بعض الأخبار من أن الله تعالى يحشر المتكبرين يوم القيامة بصورة حقيرة يطؤهم فيها الناس بأرجلهم، كما أنه يبغضهم إلى الناس في الدنيا فيحتقرونهم ولو في أنفسهم - وهذا التوجيه أليق بقول من جعل الأمر للتكليف. ولكن الحافظ ابن كثير جرى عليه بعد جزمه بالقول بأنه للتكوين واقتصاره عليه قال:
" يقول تعالى لإبليس بأمر قدري كوني: فاهبط منها بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبر فيها. قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة. ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها من الملكوت الأعلى {فاخرج إنك من الصاغرين} أي الذليلين الحقيرين. معاملة له بنقيض قصده، ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين، وسأل النظرة إلى يوم الدين ".
{قال أنظرني إلى يوم يبعثون} أي قال بلسان قاله على التفسير الأول أو لسان حاله واستعداده على الآخر: رب أخرني وأمهلني إلى يوم يبعث آدم وذريته فأكون أنا وذريتي أحياء ما داموا أحياء وأشهد انقراضهم وبعثهم {قال إنك من المنظرين} أي قال تعالى له مخبرا، أو قال مريدا ومنشئا كما يقول للشيء كن فيكون: إنك من المنظرين. قال ابن كثير: أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه اهـ. فهو يؤكد بهذا ما اختاره في مدلول هذا الحوار وهو أنه بيان لمقتضى التكوين الذي هو متعلق المشيئة، لا مراجعة أقوال من متعلق صفة الكلام.
وظاهر الكلام أنه جعل من المنظرين إلى يوم يبعثون وإن لم يصرح به للعلم به من السؤال إيجازا، قال ابن كثير: أجابه إلى ما سأل، ولكن هذا السؤال ورد في سورة الحجر فكان جوابه بلفظ آخر وهو:
{ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } [الحجر: 36 - 38] أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في تفسير هذه الآيات أراد إبليس ألا يذوق الموت فقيل له " إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " قال: النفخة الأولى، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة. وأخرج الأول عن السدي قال: فلم ينظره إلى يوم يبعثون، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم،
والنفخة الأولى في الصور هي التي يموت فيها جميع أهل الأرض دفعة واحدة، والثانية هي التي بها يبعثون وليس بعدها موت. ولذلك قال ابن عباس: إنه أراد ألا يذوق الموت، وهذه النفخة تسمى نفخة الفزع، لقوله تعالى في سورة النمل:
{ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله } [النمل: 87] ونفخة الصعق لقوله في سورة الزمر: { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } [الزمر: 68] ولاختلاف الوصفين قال أبو بكر ابن العربي وغيره: إن النفخات ثلاث. وقال آخرون: أربع. ولكن ظاهر القرآن أنهما ثنتان: وهما المراد بقوله: { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة } [النازعات: 6، 7] فهم يفزعون فيصعقون، أي يموتون بالأولى وهي الراجفة ويبعثون بالثانية التي تردفها وتتبعها. وأصل الصعق تأثير الصاعقة فيمن تصيبه من إغماء وغشيان أو موت هو الغالب ثم صار يطلق على الغشيان من كل صوت شديد وعلى الموت منه كما فسره الفيومي في المصباح.
وفيمن استثنى الله تعالى من الفزع والصعق عشرة أقوال على ما استقصاه الحافظ في الفتح، ليس في شيء منها ذكر إبليس لعنه الله. وما من قول من تلك الأقوال إلا وفيه نظر من بعض الوجوه، وهذا أمر غيبي لا يعلم إلا بتوقيف، ولم يصح في قول منها حديث مرفوع متصل الإسناد فيما يظهر من كلامهم،
ولكن ورد في حديث لأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن هذه الآية. من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال:
"هم شهداء الله عز وجل" قال الحافظ صححه الحاكم ورجاله ثقات ورجحه الطبري اهـ.
ولكن الحافظ لم يذكر هذا قولا مستقلا بل أدمجه في قول من قال إنهم الأنبياء. أي بناء على أن المراد بشهداء الله حججه على خلقه بحسن سيرتهم واستقامتهم في الدنيا إذ يشهدون في الآخرة بضلال كل من كان مخالفا لهديهم وسنتهم في اتباع دين الله عز وجل. والأنبياء في مقدمتهم قطعا، فكل نبي يشهد على قومه كما قال:
{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } [النساء: 41] وهؤلاء الشهداء لا تخلو الأرض منهم، يقلون تارة ويكثرون أخرى، ولكن يجب أن يجعل هذا قولا مستقلا فإن الشهداء أعم من الأنبياء ومن الصديقين، فكل نبي شهيد وكل صديق شهيد، ومن الشهداء من ليس بنبي ولا صديق، ولكن كل شهيد صالح وما كل صالح بشهيد، فبين طبقات { الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } [النساء: 69] العموم والخصوص المطلق.
وإذا كان الصعق المراد هو الموت فلا يظهر للقول بأن المستثنى هم الأنبياء وجه، وكذا إذا كان المراد به الغشيان المعبر عنه في آية النمل بالفزع وكانت النفخة المحدثة له هي الأولى إذ يتلوه موت الخلق وخراب الدنيا كما هو الظاهر المتبادر. وظاهر بعض الأحاديث أن ذلك يكون يوم البعث، وهو خلاف المتبادر من الآيات كلها.
فعلم مما ذكرنا أن إبليس لا ينتهي إنظاره إلى يوم البعث بل يموت عقب النفخة الأولى التي يتلوها خراب هذه الأرض، كما قال تعالى في سورة الحاقة:
{ فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } [الحاقة: 13، 14] إلا إذا قيل إن يوم القيامة ويوم البعث يطلق تارة على ما يشمل زمن مقدماته فيسمى كل ذلك يوما، كما يطلق تارة على زمن المقدمات وحدها وتارة على زمن الغاية وحدها؛ إذ معناه في اللغة الزمن الذي يتميز بعمل معين فيه كأيام العرب المعروفة. وقد يستدل على هذا بقوله تعالى بعد الآيتين المذكورتين آنفا من سورة الحاقة: { فيومئذ وقعت الواقعة } [الحاقة: 15] الآيات.
وفي هذا الباب حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما الناطق بأن الناس يصعقون يوم القيامة وأن النبي صلى الله عليه وسلم يكون أول من يرفع رأسه فيجد موسى آخذا بقائمة من قوائم العرش قال " فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل وظاهره أن ذلك غشيان يقع بعد البعث في موقفه، ويحتمل أن يعم صعق النفخة الأولى الأحياء والأموات إلا من استثني، وإلا كان مشكلا يحتاج إلى الجمع بينه وبين ما يعارضه مما علمت بعضه، وليس هذا المقام بالذي يتسع لتحقيق هذه المسألة.
وقد استشكل المفسرون ولا سيما علماء الكلام منهم هذا الإنظار بالنسبة إلى ما يترتب عليه من الشر والإغواء وسيأتي بيان حكمته بعد انتهاء تفسير هذه الآيات.
{قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} الإغواء: الإيقاع في الغواية وهي ضد الرشاد؛ لأنها في أصل اللغة بمعنى الفساد المردي من قولهم غوى الفصيل - كهوى ورمى، وغوي كهوي ورضي - إذا فسد جوفه من كثرة اللبن فهزل وكاد يهلك. وصراط الله المستقيم هو الطريق الذي يصل سالكه إلى السعادة التي أعدها سبحانه لمن تتزكى نفسه بهداية الدين الحق وتكميل الفطرة، والفاء لترتيب مضمون الجملة التي تليها على مضمون ما قبلها، والباء للسببية أو القسم والمعنى فبسبب إغوائك إياي من أجل آدم وذريته أقسم لأقعدن لهم على صراطك المستقيم أو فيه أو لألزمنه فأصدهم عنه وأقطعه عليهم بأن أزين لهم سلوك طرق أخرى أشرعها لهم من جميع جوانبه ليضلوا عنه، وهو ما فسر بقوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} أي فلا أدع جهة من جهاتهم الأربع إلا وأهاجمهم منها، وهذه جهات معنوية كما أن الصراط الذي يريد إضلالهم عنه معنوي، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:
{ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } [الأنعام: 153] الآية ما يوضح ما هنا، وفسر في الآثار بالإسلام، وبطريقي الهجرة والجهاد لصده عنهما {ولا تجد أكثرهم شاكرين} لنعمك عليهم في عقولهم ومشاعرهم وجوارحهم ومعايشهم وما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم، أي لا يكون الشكر التام الممكن صفة لازمة لأكثرهم بل للأقلين منهم، قيل إنه قال هذا عن ظن فأصاب لقوله تعالى { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } [سبأ: 20] وقيل على علم بالدلائل لا بالغيب، والدلائل النظرية غير القطعية ظنون. وتقدم تعريف الشكر في تفسير آية: {ولقد خلقناكم} وهي فاتحة هذا السياق.
روي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الأربع قال: {ثم لآتينهم من بين أيديهم} قال أشككهم في آخرتهم {ومن خلفهم} فأرغبهم في دنياهم {وعن أيمانهم} أشبه عليهم أمر دينهم {وعن شمائلهم} أستن لهم المعاصي {ولا تجد أكثرهم شاكرين} قال: موحدين فسر الشكر بأصل أصوله ومنبت جميع فروعه وهو توحيد الربوبية والألوهية الذي هو منتهى الكمال في معرفته تعالى، وفي رواية أخرى عنه. " من بين أيديهم " من قبل الدنيا، " ومن خلفهم " - من قبل الآخرة " وعن أيمانهم ": من قبل حسناتهم " وعن شمائلهم " من جهة سيئاتهم، وهي إنما تخالف الأولى في تفسير ما بين الأيدي والخلف مخالفة تناقض في اللفظ والمراد واحد، وهو هل المراد فيما بين الأيدي ما هو حاضر أو ما هو مستقبل، وهل المراد بالخلف ما يتركه المرء ويتخلف عنه وهو الدنيا أم ما هو وراء حياته الحاضرة وهو الآخرة؟ اللفظ يحتمل التأويلين، وعنه لم يستطع أن يقول " من فوقهم " علم أن الله فوقهم، وفي لفظ: لأن الرحمة تنزل من فوقهم.
وعن مجاهد وقتادة ما هو بمعنى ما ذكر مع تفصيل ما كما في الدر المنثور. وهما من تلاميذه رضي الله عنه والفوقية معنوية كغيرها، وإثبات العلو والفوقية لله تعالى تنطق به الآيات والأحاديث الصحيحة ومن صفاته " العلي " فنؤمن به مع تنزيهه تعالى عما لا يليق به من صفات خلقه جميعا، وقد شرحناه من قبل بما أثبتنا به مذهب السلف فيه،
وفي رواية عن مجاهد من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون، وحاصل المعنى كما قال ابن جرير جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم، وروى أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم من حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات
"اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال من تحتي" .
{قال اخرج منها مذءوما مدحورا} يقال ذأم المتاع {من باب فتح} وذامه بالتخفيف يذيمه ذيما وذاما {بالقلب} إذا عابه وذمه. ويقال دحر الجند العدو إذا طرده وأبعده فهو بمعنى اللعن، وبذلك ورد التفسير المأثور للفظين، والأمر الأول بالخروج قد ذكر لبيان سببه وهذا لبيان صفته، والمعنى اخرج من الجنة أو المنزلة التي أنت فيها حال كونك معيبا مذموما من الله وملائكته مطرودا من جنته، فهو بمعنى لعنه وجعله رجيما في آيات أخرى {لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين} جهنم اسم من أسماء دار الجزاء على الكفر والفسوق والعصيان، أخبر تعالى خبرا مؤكدا بالقسم بأن من يتبع إبليس من ذرية آدم فيما يزينه لهم من الكفر والشرك والفجور والفسق؛ فإن جزاءهم أن يكونوا معه أهل دار العذاب يملؤها منهم أجمعين، وفي آخر سورة ص: { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } [ص: 85] ويدخل في خطابه أعوانه في الإغواء من ذريته والنصوص فيهم كثيرة، وقوله: {منهم} يدل على أن الملء يكون من بعضهم وإلا قيل: لأملأن جهنم بكم. وذلك أن بعض من يتبعه من المؤمنين الموحدين في بعض المعاصي يغفر الله لهم ويعفو عنهم.
وفي سورتي الحجر وص استثناء عباد الله المخلصين من إغوائه - لعنه الله - حكاية عنه وهو مقابل الأكثر هنا. وأكد سبحانه ذلك في سورة الحجر بقوله:
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } [الحجر: 42] ونحوه في سورة الإسراء [الإسراء: 65] وفي سورة إبراهيم عليه السلام ما يفيد أنه ليس له سلطان على أحد، وإنما هو داعية شر، وما تبعه من تبعه إلا مختارا مرجحا للباطل على الحق وللشر على الخير، فقد قال في سياق تخاصم أهل النار يوم القيامة من المستكبرين المضلين والضعفاء الذين اتبعوهم في ضلالهم: { وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } [إبراهيم: 22] وسيأتي فائدة التذكير بهذا عند تفسير الآيات الآتية في نصح بني آدم وتحذيرهم من طاعة الشيطان.
وقد استشكل بعض المفسرين ولا سيما المتكلمين منهم خطاب الرب سبحانه للشيطان في هذا التحاور الطويل واختلفوا فيه، هل هو خطاب بواسطة الملائكة كالوحي لرسل البشر أم بغير واسطة وكيف وهو يقتضي التكريم؟ وتحكموا في الجواب حتى قال بعضهم: إن الشيطان كان يطلع على اللوح المحفوظ فيعلم مراد الله في جواب أسئلته، واستشكلوا أمر الله تعالى إياه بإغواء البشر وإضلالهم المبين في سورة الإسراء بقوله سبحانه:
{ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } [الإسراء: 64] مع قوله تعالى { إن الله لا يأمر بالفحشاء } [الأعراف: 28] وإنما يشكل هذا كله على ما جروا عليه من جعل الخطاب للتكليف.
وأما إذا جعل الخطاب للتكوين كما صرح به ابن كثير فلا إشكال، لأنه عبارة عن بيان الواقع من صفة طبيعة البشر وطبيعة الشيطان واستعدادهما وأعمالهما الاختيارية. وللأشعرية والمعتزلة فيها جدل طويل، فالأولون يثبتون الإغواء والإضلال لله تعالى، وينفون رعاية الرب لمصالح العباد في كل من دينهم ودنياهم، ويجعلون الإنسان مجبورا في صورة مختار، والآخرون يخالفونهم،
فندع أمثال هذه المباحث الجدلية لابني بجدتها الرازي والزمخشري، ونختم تفسير هذه الآيات ببيان حكمة الله تعالى في خلق إبليس وذريته الشياطين وكشف شبهة المستشكلين له ولخلق الإنسان مستعدا لقبول إغوائه فإنها مما يحتاج إليه هنا حتى على القول بأن السياق كله لبيان حقيقة التكوين.
حكمة خلق الله الخلق واستعداد الشيطان والبشر للشر: اعلم أن الحكمة العليا لخلق جميع المخلوقات هي أن يتجلى بها الرب الخالق لها بما هو متصف به من صفات الكمال، ليعرف ويعبد، ويشكر ويحمد، ويحكم ويجزي فيعدل ويغفر ويعفو ويرحم، إلخ. فهي مظهر أسمائه وصفاته. ومجلى سننه وآياته، وترجمان حمده وشكره،
{ وإن من شيء إلا يسبح بحمده } [الإسراء: 44] لذلك كانت في غاية الإحكام والنظام، الدالين على العلم والحكمة والمشيئة والاختيار، ووحدانية الذات والصفات والأفعال { صنع الله الذي أتقن كل شيء } [النمل: 88] { الذي أحسن كل شيء خلقه } [السجدة: 7] كما نطق القرآن، الخير كله بيديه والشر ليس إليه، كما ورد في الحديث بل ليس في خلقه ما هو شر محض في نفسه، وإنما الشر أمر اعتباري، مداره على ما يؤلم الأحياء أو تفوت به مصلحة أو منفعة على أحد منهم، فيكون شرا له إن لم يترتب على ذلك منفعة أعظم، أو دفع مفسدة أكبر، فإن الإنسان قد يتألم من الدواء الذي يزيل مرضه الذي هو أشد أو أطول إيلاما منه، وقد تفوته منفعة صغيرة يكون فوتها سببا لمنفعة أكبر منها، كالذي يبذل ماله في المصلحة العامة لملته ووطنه فيكرم ويكون قدوة في الخير. وحظه من كرامة الأمة وعمران الوطن أعظم مما بذل من المال، وفوق ذلك من يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله - وهي سبيل الحق والخير وسعادة الدارين - ابتغاء مرضاته والزلفى عنده.
وقد كان من مقتضى تحقق معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلى أن يخلق ما علمنا وما لم نعلم من أنواع المخلوقات، وأن تكون المقابلات والنسب بين بعضها مختلفة من توافق وتباين وتضاد، ويترتب على ذلك في نظام الخلق أن الضد يظهر حسنه الضد، وأن تكون مصائب قوم عند قوم فوائد، وأن يسيء بعضهم إلى نفسه أو إلى غيره، وأن يكون بعضهم مفطورا على طاعة ربه، دائبا على عبادته وحمده وشكره، وأن يكون بعضهم مختارا في عمله، مستعدا للأضداد في ميله وطبعه، يتنازعه عاملا الكفر والشكر، وتشتبه عليه حقيقتا التوحيد والشرك، وتتجاذبه داعيتا الفجور والبر، فيكون لشكره وبره وطاعته لربه من عظم الشأن مع معارضة الموانع ما ليس للفطور على ذلك، وقد يعصي فيفيده العصيان خوفا ورهبة، ويحمله على التوبة فيكون له أوفر حظ من اسمي العفو الغفور وقد يستكبر عن الطاعة والإيمان ويصر على الفسوق والعصيان، فيكون موضعا لعقاب الحكم العدل، وآية فيه على تنزهه تعالى عن الجور والظلم.
ولا نعرف نوعا من أنواع الخلق مفطورا على الباطل والشر، مجبورا على الفسق والكفر فهو غير موجود على أنه لو وجد لما صح أن يعترض به العبد المربوب على الرب المعبود وهذه الآيات المبينة لمعصية إبليس - وهو شر أفراد هذا النوع المسمى بالجن - تدل على أنه كان مختارا في عصيانه بانيا إياه على شبهة احتج بها عليه، وكذلك خلق الله نوعه فكانوا كالبشر منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر، كما يعلم من السورة التي سميت باسمهم (الجن) وقال تعالى:
{ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } [الكهف: 50] الفسق الخروج من الشيء، فهو يدل على أنه كان قبل ذلك يطيعه ويعبده كما يدل عليه وجوده مع الملائكة، وعقوبته بإخراجه منهم بعد المعصية.
وقد عصى آدم ربه بعد عصيان إبليس، وكان الفرق بينهما أن آدم تاب إلى ربه فتاب عليه وهداه واجتباه وجعله موضع مغفرته ورحمته، وأن إبليس أصر على عصيانه واحتج على ربه فلعنه وأخزاه، وجعله موضع عدله في عقابه، وقص قصصهما على المكلفين من ذريتهما بما أظهر حقيقة النوعين، ومآل العملين، عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين،
وابتلاء - اختبارا - للعالمين يميز الله به المحسنين والمسيئين، ويزيل بين الطيبين والخبيثين، إذ كان من سننه فيهما أن الحياة جهاد، يظهر به ما أودع في النفوس من الاستعداد، وأن من حكم تفاوت البشر فيه أن يكون منهم العالم والجاهل، والحكيم والحاكم، والمسوس والسائس، والقائد والجندي، والمخدوم والخادم، والزارع والصانع، والتاجر والعامل. فلولا العمال - مثلا - لما اتسعت مسائل العلوم بالأعمال، ولما أمكن الانتفاع بما كشف العلماء من أسرار الطبيعة وخواص المخلوقات، ولولا ذلك لما عرفت نعم الخالق وسننه ودقائق علمه وحكمته في الأشياء، وغير ذلك من معاني الصفات ومظاهر الأسماء، وموجبات الحمد والشكر والثناء.
وجملة القول أن كل ما خلقه الله تعالى فهو حسن في نفسه، متقن في صنعه، مظهر لنوع أو أنواع من حكمه في خلقه، ومن كماله في ذاته وصفاته، ولا شيء منه بباطل ولا بشر محض
{ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } [الحجر: 85] { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } [ص: 27]
وإذا كان من حكمته تعالى فيما ذكر من معصيتي أبوي الإنس والجن ظهور استعدادهم وإظهار حكمه تعالى في الجزاء على الذنوب في حالي التوبة منها والإصرار عليها، والعبرة والموعظة، وحسن الأسوة، وسوء القدوة، والابتلاء والجهاد وغيره مما بينا - وإذا كانت معصية الأول بسبب وسوسة الآخر - فلا خفاء في استمرار ذلك في ذريتهما؛ لأنه من مقتضى فطرة نوعيهما، التي هي مظهر أسماء الله وصفاته فيهما،
فجنس الجن أو الجنة الغيبي الروحاني نوعان أو صنفان: صنف ملكي يلابس بعضه أرواح البشر الميالة إلى الحق والخير فتقوي داعيتهما فيها، وصنف شيطاني يلابس أرواح البشر الميالة إلى الباطل والشر فتقوي داعيتهما فيها، كما بينه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
"إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان" ثم قرأ { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء } [البقرة: 268] الآية - رواه الترمذي وقال حسن غريب، والنسائي، وابن حبان، والبيهقي في الشعب، ورواة التفسير المأثور من حديث ابن مسعود - ومثل اتصال نوعي الجنة الروحية بروح الإنسان كل بما يناسب طبعه - كمثل اتصال نوعي الجنة المادية بجسده وتأثيرها فيه بحسب استعداده، وهي ما يسميه الأطباء بالميكروبات وسماها بعض الأدباء النقاعيات، فإن منها جنة الأمراض والأوبئة التي تؤثر في الجسم القابل لها بضعفه، والميكروبات التي تقوى بها الصحة كما بيناه من قبل.
قال الراغب في مفرداته: والجن يقال على وجهين (أحدهما) للروحانيين: المستترة عن الحواس كلها بإزاء الإنس، فعلى هذا تدخل فيه الملائكة والشياطين فكل ملائكة جن وليس كل جن ملائكة، وعلى هذا قال أبو صالح: الملائكة كلها جن. وقيل: بل الجن بعض الروحانيين، وذلك أن الروحانيين ثلاثة: أخيار وهم الملائكة. وأشرار وهم الشياطين، وأوساط فيهم أخيار وأشرار وهم الجن.
ويدل على ذلك قوله تعالى:
{ قل أوحي إلي } [الجن: 1] إلى قوله عز وجل: { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون } [الجن: 14] والجنة جماعة الجن اهـ. وأقول: إن هذا لا يخالف ما ذكر قبله من وحدة الجنس؛ فإنه غلب على قسمين منه اسمان مميزان لهما لتضادهما. وقد فسرت الجنة - بالكسر - في قوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } [الصافات: 158] بالملائكة كما يدل عليه قوله قبل الآية عن كفار قريش: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } [الصافات: 149] الآيات. قال مجاهد وعكرمة وأبو صالح وأبو مالك وقتادة: إن الجنة في الآية الملائكة، وإن المراد بالنسب قولهم الملائكة بنات الله {ولقد علمت الجنة} أي الملائكة {إنهم لمحضرون} في النار مقدمون على عذاب الكفر. اهـ. ملخصا بالمعنى.
نكتفي هنا بهذا ونحيل في زيادة بسطه وإيضاحه على ما تكرر في هذا التفسير من بيان حكمة الله في خلق البشر متفاوتي الاستعداد مختارين في الأعمال وكذا ما بيناه في خلق الجن والشياطين ووسوستهم ودرجة تأثيرها في آيات البقرة وغيرها وما حققناه في مسألة الخير والشر. وللمحقق ابن القيم بحث طويل في حكم الله في خلق إبليس يراجع في محله.
ومن المباحث اللفظية في القصة أنه إذا قوبل ما هاهنا بما في سورة الحجر يرى خلاف في الفصل والوصل في مقول القول من بعض الأسئلة والأجوبة، مع الاتفاق على الفصل في بدء كل منها بـ " قال " على الاستئناف البياني كما تقدم. فهاهنا عطف أمر الرب سبحانه لإبليس بالهبوط وأمره الأول له بالخروج بالفاء، وكذا قول إبليس " فبما أغويتني " على أنه مرتب على ما قبله متفرع عنه كما أشرنا إليه في مواضعه. وفصل طلب إبليس للإنظار وجواب الرب له وأمره الثاني بالخروج وأما في سورة الحجر فقد وصل كلا من طلب الإنظار وجوابه بالفاء وكذا في سورة ص، وفصل تعليل إغوائه للناس بإغواء الرب له إذ قال:
{ رب بما أغويتني } [الحجر: 39] فخالف ذلك ما في سورة الأعراف ولكن اتفقت السورتان في عطف الأمر بالخروج بالفاء.
فهاهنا يقال: إننا علمنا من سنة القرآن في قصصه المكررة أنها لما كانت منزلة لأجل العبرة والموعظة والتأثير في العقول والقلوب اختلفت أساليبها بين إيجاز وإطناب، وذكر في بعضها من المعاني والفوائد ما ليس في البعض الآخر، حتى لا تمل للفظها ولا لمعانيها، وعلمنا أن الأقوال المحكية فيها إنما هي معبرة عن المعاني وشارحة للحقائق وليست نقلا لألفاظ المحكى عنهم بأعيانها، فإن بعض أولئك المحكي عنهم أعاجم، ولم تكن لغة العربي منهم كلغة القرآن في فصاحتها وبلاغتها - دع ما قيل فيه هنا من أن القصة مبينة لحقائق ثابتة في نفسها بأسلوب التمثيل، وما ثم أقوال قيلت بالعربية ولا غيرها - علمنا هذا وذاك. ولكن الذي نجزم به أنه لا يمكن أن يكون في كتاب الله اختلاف في المعاني وإن لم يكن تناقضا، وأن اختلاف الأساليب وطرق التعبير فيه عن المعنى الواحد لا تختلف إلا لنكت تفيد من فهمها فائدة لفظية أو معنوية، فما فائدة ما ذكر من اختلاف الفصل والوصل في سورتي الأعراف والحجر؟
الجواب: أن الوصل بالعطف بالفاء في موضعه أفاد معنى زائدا على ما ورد في مثله بالفصل استئنافا ولا يحتاج في زيادة الفائدة إلى نكتة غيرها، على أنك إذا تأملت السياق في كل من الموضعين وجدت أن طلب إبليس الإنظار في سورة الحجر قد ذكر بعد أمره بالخروج معطوفا بالفاء لترتبه على ما قبله، ووصفه بأنه رجيم مقرونا بفاء السببية ولعنه إلى يوم الدين - فلا غرو إذا جعل طلبه للإنظار فيها متصلا بما قبله متفرعا عنه، كأنه يقول يا رب إذ طردتني من رحمتك، فأطل حياتي في هذه الدنيا إلى يوم البعث إتماما لحكمتك، فأجابه تعالى جوابا معطوفا على طلبه إلى ما تتم به الحكمة، لا إلى ما تتحقق به أمنيته في النجاة من الموت. ولعل من حكمه تعالى في إنظار إبليس أن يتمتع في الدنيا جزاء على ما كان من عبادته تعالى لأنه لا حظ له في الآخرة، ويحتمل أن يكون قد قصد هذا من طلبه الإنظار.
وأما نكتة حذف الفاء من قوله في سورة الحجر: {رب بما أغويتني} مع إثباتها في سورة الأعراف لارتباطها بما قبلها فهي كما قال الخطيب الإسكافي: إن الدعاء في الصدر يستأنف بعده الكلام والقصة غير مقتضية لما قبلها كما اقتضاها قوله: {رب فأنظرني} والفاء توجب اتصال ما بعدها بما قبلها، والنداء أولا يوجب القطع واستئناف الكلام ولا سيما في قصة لا يقتضيها ما قبلها، فلم تحسن الفاء مع قوله: {رب بما أغويتني} والموضعان الآخران لم يدخل فيهما نداء يوجب استئناف ما بعده، فلذلك وصل القسم فيهما بالأول بدخول الفاء اهـ.