التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
١
إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٢
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
٣
أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٤
-الأنفال

تفسير المنار

روى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا" ، فأما المشيخة (أي المشايخ)
فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان: " إنا كنا لكم ردءا ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} وذلك في غزوة بدر وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص أنه قتل سعيد بن العاص وأخذ سيفه واستوهبه النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه إياه، وأن الآية نزلت في ذلك فأعطاه إياه؛ لأن الأمر وكل إليه صلى الله عليه وسلم.
عن ابن جرير: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماس فنزلت هذه الآية، وجملة القول: أنها نزلت في غنائم غزوة بدر تنازع فيها حائزوها من الشبان وسائر المقاتلة، وقيل: المهاجرون والأنصار.
قال تعالى: {يسألونك عن الأنفال} الأنفال جمع نفل بالتحريك وهو في أصل اللغة من النفل - بفتح وسكون - أي الزيادة عن الواجب ومنه الصلاة النفل - قال الراغب: النفل: هو الغنيمة بعينها، لكن اختلفت العبارة عنه لاختلاف الاعتبار فإنه إذا اعتبر بكونه مظفورا به، يقال: غنيمة، وإذا اعتبر بكونه منحة من الله ابتداء من غير وجوب يقال له: نفل، ومنهم من فرق بينهما من حيث العموم والخصوص، فقال: الغنيمة كل ما حصل مستغنما بتعب كان أو بغير تعب، وباستحقاق أو بغير استحقاق، وقبل الظفر كان أو بعده، والنفل ما يحصل للإنسان قبل القسمة من جملة الغنيمة، وقيل: هو ما يحصل للمسلمين بغير قتال وهو الفيء، وقيل: ما يحصل من المتاع قبل أن تقسم الغنائم، وعلى هذا حملوا قوله: {يسألونك عن الأنفال} الآية.
والمعنى: يسألونك أيها الرسول عن الأنفال لمن هي؟ أللشبان أم للمشيخة؟ أم للمهاجرين أم للأنصار {قل الأنفال لله والرسول} أي: قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، وللرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى، وقد قسمها صلى الله عليه وسلم بالسواء.
وهذا لا ينافي التفصيل الذي سيأتي في قوله تعالى:
{ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } [الأنفال: 41] إلخ، فيكون التفصيل ناسخا للإجمال كما قال مجاهد وعكرمة والسدي، فالصواب قول ابن زيد: إن الآية محكمة، وقد بين الله مصارفها في آية الخمس، وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس.
{فاتقوا الله} في المشاجرة والخلاف والتنازع، وسيأتي في الصورة مضار ذلك ولا سيما في حال الحرب {وأصلحوا ذات بينكم} أي: أصلحوا نفس ما بينكم، وهي الحال والصلة التي بينكم تربط بعضكم ببعض وهي رابطة الإسلام، وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة وترك الأثرة والتفرق، والإيثار أيضا، والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق، وكل ما بين طرفين كما قال:
{ لقد تقطع بينكم } [الأنعام: 94] ويعبر عن هذه الرابطة بذات البين، وأمرنا في الكتاب والسنة بإصلاح ذات البين، فهو واجب شرعا تتوقف عليه قوة الأمة وعزتها ومنعتها وتحفظ به وحدتها.
{وأطيعوا الله ورسوله} في الغنائم وفي كل أمر ونهي وقضاء وحكم، فالله تعالى يطاع لذاته; لأنه رب العالمين، ومالك أمرهم، والرسول يطاع في أمر الدين; لأنه مبلغ له عن الله تعالى، ومبين لوحيه فيه بالقول والفعل والحكم، وهذه الطاعة له تعبدية لا رأي لأحد فيها، وتتوقف عليها النجاة في الآخرة والفوز بثوابها، ويطاع في اجتهاده في أمر الدنيا المتعلق بالمصالح العامة، ولا سيما الحرب من حيث إنه الإمام القائد العام، فمخالفته إخلال بالنظام العام، وإفضاء إلى الفوضى التي لا تقوم معها للأمة قائمة، فهذه الطاعة واجبة شرعا كالأولى إلا أنها معقولة المعنى، فقد أمره الله تعالى في تنفيذ أحكامه، وإدارته بمشاورة الأمة كما تقدم في سورة آل عمران، وأشرك معه في هذه الطاعة أولي الأمر كما تقدم في سورة النساء، وسيأتي كيف راجعه بعضهم في هذه الغزوة المفصلة أحكامها في هذه السورة، ورجع عن رأيه صلى الله عليه وسلم إلى الرأي الذي ظهر صوابه، ولكن الأمر الأخير لا بد أن يكون لهم كما شاورهم في غزوة أحد في الخروج من المدينة أو البقاء فيها.
فلما انتهت المشاورة، وعزم على تنفيذ رأي الجمهور راجعوه فلم يقبل مراجعة، وقد بينا هذا مع حكمته في تفسير
{ وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } [آل عمران: 159] وترى في تلك السورة كيف كانت مخالفة الرماة له صلى الله عليه وسلم سببا في ظهور العدو على المسلمين، فراجع تفسير { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } [آل عمران: 165]. في 184 وما بعدها ج 4 ط الهيئة.
ولأئمة المسلمين منهم من حق الطاعة في تنفيذ المشروع، وإدارة الأمور العامة، وقيادة الجند ما كان له صلى الله عليه وسلم منه، مقيدا بعدم معصية الله تعالى، وبمشاورة أولي الأمر، كما تقدم تفصيله في تفسير:
{ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: 59] الآية.
ثم قال تعالى: إن كنتم مؤمنين أي: فامتثلوا الأوامر الثلاثة فإن الإيمان يقتضي ذلك كله؛ لأن الله تعالى أوجبه، والمؤمن بالله غير المرتاب بوعده ووعيده يكون له سائق من نفسه إلى طاعته، إلا أن يعرض له ما يغلبه عليها أحيانا من ثورة شهوة أو ثورة غضب، ثم لا يلبث أن يفيء إلى أمر الله، ويتوب إليه مما عرض له، كما تقدم في تفسير:
{ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } [النساء: 17] إلخ، ثم وصف الله المؤمنين بما يدل على هذا ويثبته فقال:
{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} هذه جملة مستأنفة لبيان حال المؤمنين الذين بين في شرطية الآية قبلها شأنهم من التقوى وإصلاح ذات البين في الأمة وطاعة الله ورسوله على قاعدة أن النكرة إذا أعيد ذكرها معرفة تكون عين الأولى، أو بيان حال المؤمنين الكاملي الإيمان مطلقا؛ ليعلم منه أن تلك الأمور الثلاثة هي بعض شأنهم، وقد بين صفاتهم بصيغة الحصر التي يخاطب بها من يعلم ذلك أو ينزل منزلة العالم به الذي لا ينكره، وهي " إنما " كما حققه إمام الفن الشيخ عبد القاهر، وصفهم بخمس صفات:
(الصفة الأولى) قوله: الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم قال الراغب: الوجل استشعار الخوف، يعني ما يجعل القلب يشعر به بالفعل، وعبر غيره عنه بالفزع والخوف (وبابه فرح وتعب) وذلك أن الخوف توقع أمر مؤلم في المستقبل قد يصحبه شعور الألم والفزع، وقد يفارقه لضعفه أو لاعتقاد بعد أجله، فالوجل والفزع أخص منه، وفي سورة الحجر من حوار إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع ضيفه المنكرين.
{ إنا منكم وجلون قالوا لا توجل } [الحجر: 52 - 53] إلخ، وفي سورة " المؤمنون " في صفة المؤمنين المشفقين من خشية ربهم: { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } [المؤمنون: 60] فالوجل هنا مقترن بالعمل الصالح وهو البذل والعطاء، وفي سورة الحج: { وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } [الحج: 34 - 35] وهي بمعنى آية الأنفال، وليس للوجل ذكر في غير هذه الآيات، ويتفق معنى الوجل فيها بأنه الفزع وشعور الخوف يلم بالقلب، وقد يكون هذا الخوف من العاقبة المجهولة، وقد يكون من الإجلال والمهابة، وقد روي عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، يا شهر بن حوشب، أما تجد له قشعريرة؟ قلت: بلى، قالت: فادع الله فإن الدعاء يستجاب عند ذلك، وعن ثابت البناني، قال: قال فلان: إني لأعلم متى يستجاب لي: قالوا: ومن أين لك ذلك؟ قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي، وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: " ما الوجل في القلب إلا كضرمة السعفة، فإذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك، والسعفة بالتحريك واحد السعف وهو جريد النخل إذا احترق يسمع له نشيش، شبهت به أم المؤمنين وأم الدرداء شعور الرجل يلم بالقلب من ذكر الله فيخفق له.
والمراد بذكر الله ذكر القلب لعظمته وسلطانه وجلاله، أو لوعيده ووعده، ومحاسبته لخلقه وإدانتهم، وغير ذلك من صفاته وأفعاله سواء صحبه ذكر اللسان أم لا، وأعظم ذكر اللسان مع القلب ترتيل القرآن بالتدبر، وقد يقول المؤمن في صلاة التهجد في الخلوة " الله أكبر " مستحضرا لمعنى كبريائه عز وجل، فينتفض ويقشعر جلده، فمن خص الذكر هنا بالوعيد غفل عن كل هذا، وظن أن الوجل لا يكون إلا من خوف العذاب، وكأنه لم يذق طعم الخشية والوجل من مهابة الله وعظمته وكبريائه وعزة سلطانه وغير ذلك من معاني أسمائه وصفاته، ولم يقرأ قوله تعالى:
{ إنما يخشى الله من عباده العلماء } [فاطر: 28] ولم يعلم أن من عباد الله من يخشع قلبه ويفيض دمعه من ذكر أسماء الله في آخر سورة الحشر: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم } [الحشر: 21 - 22] إلخ، ولا يجد مثل هذا الوجل عند وصف جهنم، وذكر الحساب والجزاء. وإنما يأخذ مثل هذا من معاني القرآن من فهمه بظواهر بعض الألفاظ بدون شعور بما لها من التأثير في القلوب، فيقابل بين هذه الآية وما في معناها وبين قوله تعالى في سورة الرعد: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } [الرعد: 28] فيظن أن بينهما تعارضا فيحاول التفصي منه بحمل هذا على ذكر الوعد، والآخر على ذكر الوعيد، ولا تعارض في الحقيقة ولا تنافي، ففي كل من الوعد والوعيد وصفات الكمال وذكر آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق اطمئنان للقلوب بالإيمان بالله تعالى، والثقة بما عنده، وغير ذلك مما يأتي بسطه في محله إن شاء الله تعالى: ولا ذكر يضرم سعفة الوجل في القلب كتلاوة كلام الرب عز وجل: { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد } [الزمر: 23].
(الصفة الثانية) قوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} أي إذا تليت عليهم آياته المنزلة على خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم زادتهم إيمانا، أي يقينا في الإذعان، وقوة في الاطمئنان، وسعة في العرفان، ونشاطا في الأعمال، ويطلق الإيمان في عرف الشرع على مجموع العلم والاعتقاد والعمل بموجبه وعلى كل منهما، والقرائن تعين المراد، وفيما رواه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحيهما شواهد صريحة في ذلك، ومن أهمها أحاديث أقل الإيمان المنجي في الآخرة وحديث الإيمان بضعة وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ولهذا حمل بعض الناس زيادة الإيمان على زيادة العمل اللازم له، وبعضهم على زيادة ما يتعلق به الإيمان الذي فسروه بالتصديق القطعي، والحق أن الإيمان القلبي نفسه يزيد وينقص أيضا، فإن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان مؤمنا بإحياء الله للموتى لما دعاه أن يريه كيف يحييها
{ قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } [البقرة: 260] فمقام الطمأنينة في الإيمان يزيد على ما دونه من الإيمان المطلق قوة وكمالا، ويروي علي المرتضى كرم الله وجهه: لو كشف الحجاب ما ازددت يقينا، وهذا أقوى من الإيمان بالبرهان، وهو أقوى من إيمان التقليد الذي قال به الأكثرون إذا وافق الحق، وكان يقينا، والعلم التفصيلي في الإيمان أقوى وأكمل من العلم الإجمالي، مثال ذلك أن الإيمان بتوحيد الله تعالى لا يكمل إلا بمعرفة أنواع الشرك الظاهر والباطن التي تنافيه أو تنافي كماله، ومنها ما هو أخفى من دبيب النمل، وقد ورد في الدعاء المأثور " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم " رواه ابن حبان والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو يعلى وغيرهم من حديث أبي بكر رضي الله عنه وضعفه ابن حبان والبيهقي وحسنه وغيرهما، وكم من مدع لتوحيد الله وناطق بكلمة الإخلاص وهو يعبد غير الله بدعائه مع الله أو من دون الله، و " "الدعاء هو العبادة " رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم من حديث النعمان بن بشير مرفوعا.
ومثل آخر: من آمن بأن لله تعالى علما محيطا بالمعلومات، وحكمة قام بها نظام الأرض والسماوات، ورحمة وسعت جميع المخلوقات، وكان علمه بهن إجماليا لو سألته أن يبين لك شواهده في الخلق لعجز عنها - لا يوزن إيمانه بإيمان ذي العلم التفصيلي بسنن الله في الكائنات وعجائب صنعه فيها على النحو الذي جرى عليه العلامة المحقق ابن القيم في كتابه تفصيل النشأتين، والإمام أبو حامد في كتاب التفكر من الإحياء، وقد اتسعت معارف البشر بهذه السنن والأسرار في كل نوع من أنواع المخلوقات، فعرفوا منها ما لم يكن يخطر عشر معشاره لأحد من علماء القرون الخالية، ومن كلام العلماء في ذلك قول الواحدي عن عامة أهل العلم: إن من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان إيمانه أزيد، وقال الكرخي: إن نفس التصديق يقبل القوة، وهي التي عبر عنها بالزيادة للفرق المميز بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات ويقين آحاد الأمة، وضرب الغزالي مثلا لتفاوت قوة الإيمان وسائر أنواع العلم بمن يرى شبح إنسان في السدفة، ثم يراه بعد وضوح الإسفار على بعد فلا يميز صفاته ثم يراه في نور الشمس بجانبه، فهل يكون علمه في كل هذه الأحوال واحدا؟.
وجملة القول: إن زيادة الإيمان ثابتة بنص هذا الآية وآيات أخرى كقوله تعالى في سورة آل عمران في وصف الذين استجابوا لله والرسول إذ دعاهم إلى القتال بعد ما أصابهم القرح في غزوة أحد:
{ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173] وفي معناه قوله تعالى في سورة الأحزاب: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } [الأحزاب: 22] وعطف التسليم على الإيمان هنا يؤيد كون المراد به إيمان القلب لا العمل، وفي معناه قوله تعالى في أول سورة الفتح: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } [الفتح: 4] فهو في إيمان القلب كما هو المتبادر.
وأما آيتا أواخر التوبة [التوبة: 124 - 125] وآية سورة المدثر [المدثر: 31] فمما يحتمل أن تكون زيادة الإيمان فيها زيادة متعلقة بما نزل من القرآن، على أن البخاري استدل بآيتي التوبة وأمثالهما على زيادة الإيمان في القلوب، وعليه جمهور السلف، بل حكى الإجماع عليه الشافعي وأحمد وأبو عبيد كما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره، فمن العجب بعد هذا أن تنقل هفوة لبعض العلماء أنكر فيها زيادة الإيمان بالمعنى المصدري لشبهة نظرية، ويجعل مذهبا يقلد صاحبه فيه تقليدا، وتئول الآيات والأحاديث لأجله تأويلا.
(الصفة الثالثة) قوله تعالى: {وعلى ربهم يتوكلون} أي يتوكلون على ربهم وحده، لا يتوكلون على غيره، ولا يفوضون أمورهم إلى سواه عز وجل كما أفاده تركيب الجملة، وعن ابن عباس قال: لا يرجون غيره، والتوكل أعلى مقامات التوحيد، فإن من كان موقنا بأن ربه هو المدبر لأموره وأمور العالم كلها لا يمكن أن يكل شيئا منها إلى غيره، ولما كان من المعلوم من الشرع والطبع والعقل بالضرورة أن للإنسان كسبا اختياريا كلفه الله العمل به، وأن يؤمن بأنه يجازى على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر - وجب على الإنسان أن يسعى في تدبير أمور نفسه بحسب ما علمه من سنن الله تعالى في نظام الأسباب وارتباطها بالمسببات، معتقدا أن الأسباب - ما يعقل منها كالإنسان وما لا يعقل - لم تكن أسبابا إلا بتسخير الله تعالى، وأن ما يناله باستعمالها فهو من فضل ربه الذي سخرها وجعلها أسبابا وعلمه ذلك، وأما ما لا يعرف له سبب يطلب به، فالمؤمن يتوكل فيه على الله وحده، وإليه يتوجه، وإياه يدعو فيما يطلبه منه، وأما ترك الأسباب وتنكب سنن الله تعالى في الخلق وتسمية ذلك توكلا فهو جهل بالله وجهل بدينه وجهل بسننه التي أخبرنا بأنها لا تتبدل ولا تتحول، ومثله فيه كمثل من أمره ملكه أو مالكه بأن يعول في طعامه وشرابه وسائر حاجة عليه، ولا يطلب من غيره شيئا، وكان ذلك الملك أو المالك قد أعد له ولأمثاله كل يوم مائدة لطعامهم وشرابهم، فتنطع هو وامتنع عن الاختلاف إلى المائدة مع أمثاله زاعما أن هذا عصيان لأمر الملك في التعويل عليه، وانتظر أن يرسل إليه طعاما خاصا - أي إنه يطلب من ربه أن يبطل سننه في خلقه لأجله - فما أعظم جهله وغروره به؟.
وقد تقدم تحقيق معنى التوكل مع بسط القول فيه، وكونه يستلزم الأخذ بالأسباب في تفسير:
{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [آل عمران: 160] من سورة آل عمران فيراجع في [ص169 - 175 ج 4 ط الهيئة] وسيأتي التذكير ببعضه في الكلام على توكل النبي صلى الله عليه وسلم من تفسير هذه السورة (الأنفال).
(الصفة الرابعة) قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة} تقدم تفسير هذه الجملة في أول سورة البقرة، وفي تفسير
{ واستعينوا بالصبر والصلاة } [البقرة: 45] منها، وفي تفسيرات أخرى في معناها، وملخصها: أن إقامة الصلاة عبارة عن أدائها مقومة كاملة في صورتها وأركانها الظاهرة، من قيام وركوع وسجود وقراءة وذكر، وفي معناها وروحها الباطنة من خشوع وحضور في مناجاة الرحمن، وتدبر واتعاظ بتلاوة القرآن، وتقدم أن هذه الإقامة هي التي يستفيد صاحبها ما جعله الله تعالى ثمرة للصلاة من الانتهاء من الفحشاء والمنكر وغير ذلك مما يراجع في مواضعه.
(الصفة الخامسة) قوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} أي: وينفقون بعض ما رزقهم الله في وجوه البر من زكاة مفروضة; لإقامة دولة الإسلام، وغير ذلك من النفقات الواجبة والمندوبة للأقربين والمعوزين ومصالح الأمة، وتقدم تفسيرها في أول سورة البقرة في مواضع أخرى، مع التنبيه إلى كثرة ما ورد في الكتاب العزيز من جعل الزكاة أو النفقة مقارنة للصلاة; لأنهما العبادتان اللتان عليهما مدار الإصلاح الروحي والاجتماعي في الملة، والتعبير بالإنفاق أعم من التعبير بالزكاة كما علمت.
{أولئك هم المؤمنون حقا} أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات كلها هم دون سواهم ممن لم يتصف بها المؤمنون إيمانا حقا، أو حق الإيمان الذي لا نقص فيه، أو حق ذلك حقا أو حققته حقا، ذلك بأن الإيمان حق الإيمان هو ما أعقب التصديق الإذعاني فيه أثره من أعمال القلوب والجوارح، وبذل المال في سبيل الله عز وجل، وقد جمعت الصفات التي وصفوا بها كل ذلك بحيث تتبعها سائر شعب الإيمان، تقول العرب: فلا شاعر حقا أو فارس حقا لمن نبغ في الشعر ولمن كملت فيه صفات الفروسية.
وروى الطبراني بسند ضعيف يؤثر للعبرة
"عن الحارث بن مالك الأنصاري رضي الله عنه أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: انظر ماذا تقول فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: يا حارثة عرفت فالزم " - ثلاثا وروي عن الحسن "أن رجلا سأله: أمومن أنت؟ قال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى: إنما المؤمنون فوالله لا أدري أنا منهم أم لا"
". ثم بين تعالى جزاء هؤلاء المؤمنين الكملة فقال: {لهم درجات عند ربهم} الدرجات منازل الرفعة ومراقي الكرامة، وكونها عند الرب تعالى وذكره مضافا إلى ضميرهم تنبيه إلى عظم قدر هذه الدرجات وتكريم لأهلها، فإن الله تعالى فضل بعض الناس ورفعهم على بعض درجة أو درجات في الدنيا وفي الآخرة وعند الرب عز وجل، وهذا الأخير وإن كان يكون في الآخرة فإن وصفه بكونه عند الرب، وبإضافة اسم الرب إلى أصحاب الدرجات يدل على مزيد رفعة واختصاص.
وإذا أردت أن تفقه معنى الدرجات في التفاضل بين الناس فتأمل قوله تعالى بعد بيان تساوي الرجال والنساء في الحقوق:
{ وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228] وهي درجة الولاية العامة والخاصة، وقوله تعالى في فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } [النساء: 95 - 96] وهنا جمع بين الدرجة والدرجات فقيل: الدرجة تفضيلهم في الدنيا، وقيل: منزلتهم عند الله تعالى، والدرجات منازلهم في الجنة، وفي معناه قوله تعالى في تفضيل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله على سقاية الحاج من سورة التوبة: { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون } [التوبة: 20] إلخ الآيتين بعدها، وقال تعالى في بيان التفاوت والبعد بين متبعي رضوانه ومتبعي سخطه من سورة آل عمران: { هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون } [آل عمران: 163] والظاهر أن العندية هنا عندية الحكم أو الجزاء، لا المكانة؛ لأنها محاولة على الفريقين، وقال تعالى في الرسل { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } [البقرة: 253] الآية، قالوا: هذه لنبينا صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى في إبراهيم عقب ذكر محاجته لقومه: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء } [الأنعام: 83] وقال في سياق قصة يوسف مع إخوته عقب ذكر أخذه لأخيه الشقيق منهم بوجه شرعي: { كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم } [يوسف: 76].
وقال في درجات الدنيا وحدها وهي آخر آية من سورة الأنعام:
{ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور } [الأنعام: 165] وقال في درجات الدار الآخرة بعد بيان التفاضل في الرزق بين الكفار مريدي الدنيا وحدها والمؤمنين مريدي الآخرة: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } [الإسراء: 21].
وجملة القول: إن الله خلق البشر متفاوتين في الاستعداد والعقول والأعمال، واقتضى ذلك بنظام سننه في خلقه تفضيل بعضهم على بعض درجات في الدنيا وفي الآخرة وفي المكانة عند ربهم، وهذه الأخيرة عليا الدرجات وأفضلها.
وقوله تعالى: {ومغفرة ورزق كريم} معناه: ولهم مغفرة من الله لذنوبهم الحقيقية التي سبقت وصولهم إلى درجة الكمال إن كانت كبيرة، وما كان من قبيل اللمم، ولذنوبهم الإضافية التي يحاسبون بها أنفسهم بعد بلوغ الكمال كالغفلة عن ذكر الله حينا، وترك الأفضل إلى ما دونه حينا آخر، وفوت بعض أعمال البر الممكنة أحيانا، وأمثال ذلك مما يعبر عنه ب (حسنات الأبرار سيئات المقربين)، ورزق كريم في الجنة، والكريم يصف به العرب كل شيء حسن في بابه لا قبح فيه، ولا شكوى منه.