التفاسير

< >
عرض

وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١٠٠
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ
١٠١
وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٠٢
-التوبة

تفسير المنار

هذا تقسيم آخر للمؤمنين الصادقين والمنافقين من أهل الحضر والبدو جميعا، عطف على تقسيم الأعراب لمشاركته له في بيان حقيقة جماعات المسلمين في ذلك العهد، قال:
{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} هذه طبقات ثلاث هي خير هذه الأمة التي هي في جملتها خير أمة أخرجت للناس (فالأولى) السابقون الأولون من المهاجرين قيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين وروي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن سيرين والحسن وقتادة وغيرهم. وقيل: هم أهل بدر، وروي عن محمد بن كعب وعطاء بن يسار، وقيل: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان في الحديبية وعليه الشعبي ولكن هذا القول وما قبله في السابقين من المهاجرين والأنصار جميعا.
وأما السابقون من المهاجرين وحدهم فهم الذين هاجروا قبل صلح الحديبية ; لأن المشركين كانوا إلى ذلك الوقت يضطهدون المؤمنين في بلادهم ويقاتلونهم في دار الهجرة وما حولها، ولا يمكنون أحدا من الهجرة ما وجدوا إلى صده سبيلا، ولا منجاة للمؤمن من شرهم إلا بالفرار أو الجوار، فالذين هاجروا قبل صلح الحديبية وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم كانوا كلهم من المؤمنين الصادقين، ليس فيهم منافق كما قلنا ; إذ لم يكن للنفاق في ذلك الوقت مقتضى ولا سبب، ولا للهجرة والجهاد داع غير الإخلاص في الإيمان وإقامة بناء الإسلام، وإن كان هؤلاء يتفاضلون في السبق وفي غيره من الأعمال، فأفضلهم الخلفاء الأربعة فسائر الذين بشرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة بأشخاصهم، وما كل سابق أفضل من كل مسبوق.
ومن السابقين بالإيمان من سبقه غيره بالهجرة، وأول من آمن على الإطلاق خديجة - رضي الله عنها - لأنه - صلى الله عليه وسلم - بلغها خبر بعثته قبل كل أحد فصدقت وآمنت، ويليها من كان معه - صلى الله عليه وسلم - في بيتها، وهم علي وكان ابن 10 سنين، وزيد بن حارثة، ومن خارجه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - والمشهور أنه أول من آمن من الرجال، ولا خلاف في أنه آمن عندما دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير أدنى تريث أو تردد، ولا في أنه أول المهاجرين مع الرسول كما تقدم في تفسير آية الغار، وأول الدعاة إلى الإسلام مع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(الطبقة الثانية) السابقون الأولون من الأنصار وهم الذين بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة في منى في المرة الأولى سنة إحدى عشرة من البعثة وكانوا سبعة، وفي المرة الثانية وكانوا سبعين رجلا وامرأتين، ويليهم الذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وأرسله مع أهل العقبة الثانية سنة اثنتي عشرة من البعثة وكذا من آمن عند قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقبل أن تكون للمسلمين قوة غالبة تتقى وترتجى.
وهذه القوة رسخت عقب هجرته - صلى الله عليه وسلم - وصار بعض أهل المدينة يظهرون الإسلام نفاقا، بدليل قوله تعالى في الآيات التي نزلت في شأن غزوة بدر وكانت في السنة الثانية
{ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم } [الأنفال: 49] ولم يكن فيهم أحد من المهاجرين ولا من الأنصار السابقين وإن كانوا كلهم من الأوس والخزرج.
(الطبقة الثالثة) الذين اتبعوا هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في الهجرة والنصرة اتباعا بإحسان، أو محسنين في الأفعال والأقوال، فتضمن هذا القيد الشهادة للسابقين بكمال الإحسان ; لأنهم صاروا فيه أئمة متبوعين، وخرج به من اتبعوهم في ظاهر الإسلام مسيئين غير محسنين في هذا الاتباع وهم المنافقون، ومن اتبعوهم محسنين في بعض الأعمال ومسيئين في بعض وهم المذنبون والآيات مبينة حال الفريقين.
هؤلاء الطبقات الثلاث {رضي الله عنهم} في إيمانهم وإسلامهم وإحسانهم وأعلاه ما كان من هجرتهم وجهادهم، فقبل طاعاتهم، وغفر سيئاتهم، وتجاوز عن زلاتهم، إذ بهم أعز الإسلام، ونكل بأعدائه من المشركين وأهل الكتاب {ورضوا عنه} بما وفقهم له، وأسبغه عليهم من نعمه الدينية والدنيوية فأنقذهم من شرك وهداهم من ضلال، وأغناهم من فقر وأعزهم من ذل.
{وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} تقدم مثل هذا الوعد الكريم في الآية (72) وفي آيات أخرى، ومعناه ظاهر، وأي فوز أعظم من نعيم الجنة الخالد من بدني وروحاني؟
قرأ الجمهور والأنصار: بالخفض عطفا على المهاجرين، وقرأها يعقوب بالرفع عطفا على (والسابقون) وروي عن الحسن البصري، بل روي أيضا - وفيه نظر عندي أن عمر رضي الله عنه قرأها كذلك مع جعل (والذين اتبعوهم) صفة للأنصار وأنكر على رجل قرأها بالخفض، فأخبره أنه تلقاها عن أبي بن كعب كاتب الوحي وجامع القرآن فسأل عمر أبيا فصدقه وأخبره أنه هكذا سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي رواية أنها هكذا أنزلها الله على جبريل ونزل بها جبريل على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عمر: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا - يعني المهاجرين الأولين - فقال أبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة
{ وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم } [الجمعة: 3].
ولفظ الاتباع فيها نص في الصحابة المتأخرين الذين اتبعوا الأولين من المهاجرين والأنصار في صفتيهم: الهجرة والنصرة، وهو بصيغة الماضي فلا يدخل في عمومه التابعون الذين تلقوا الدين والعلم من الصحابة، ولم ينالوا شرف الصحبة والهجرة والنصرة، وتسمية هؤلاء بالتابعين اصطلاحية حدثت بعد نزول القرآن وانتقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى.
وقد ورد ذكر الطبقات الثلاث من الصحابة في آخر سورة الأنفال، وعبر فيه عن الطبقة الثالثة بقوله:
{ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } [الأنفال: 75] وذكرت في تفسيرها آيات سورة الحشر وقد عبر فيها عن الطبقة الثالثة بقوله: { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } [الحشر: 10] إلخ.
ولا شك في مشاركة سائر المؤمنين لأولئك الصحابة الكرام في رضاء الله وثوابه بقدر اتباعهم لهم في الهجرة إن وجدت أسبابها والجهاد بالأموال والأنفس لنصرة الإسلام، ومنها نصرته بالحجة والبرهان، وفي سائر أعمال البر والإحسان.
وإن الآيات تدل على ذلك في كل موضع ; لأن الجزاء في حكم الله الحق وشرعه العدل على الأعمال، وللسابقين في كل عمل فضيلة السبق والإمامة في كل عصر، ويمتاز عصر الرسول الذي وجد فيه الإسلام وأقيم بنيانه، ورفعت أركانه، ونشرت في الخافقين أعلامه، على كل عصر بعده، وهم الأقلون المقربون كما قال تعالى:
{ والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } [الواقعة: 10 - 14].
هذه الشهادة من رب العالمين للطبقات الثلاث من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدمغ حقها باطل الروافض الذين يطعنون فيهم، ويحثون التراب في أفواههم، والذي سن لهم هذا الطعن في جمهورهم الأعظم عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام لأجل إيقاع الشقاق بين المسلمين وإفساد أمرهم، ثم نظم الدعوة لذلك زنادقة المجوس بعد فتح المسلمين لبلادهم، كما بيناه مرارا. ثم جعل الرفض مذهبا له فرق ذات عقائد، منها ما هو كفر صريح، ومنها ما هو ابتداع قبيح. ومنها ما هو دون ذلك.
وروي عن أبي صخر حميد بن زياد قال: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنة محسنهم ومسيئهم. فقلت: من أين تقول هذا؟ قال اقرأ قول الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} - إلى أن قال: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقال: {والذين اتبعوهم بإحسان} شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط.
والتحقيق ما قلناه. فإن هذه الآيات وما بعدها في بيان حال المسلمين في عهد نزولها مؤمنيهم ومنافقيهم. ومحسنيهم ومسيئيهم والذين خلطوا منهم عملا صالحا وآخر سيئا والذين تاب الله عليهم والذين أرجأ توبتهم.
وهذه الآية نص في أن الطبقات الثلاث من السابقين الأولين والذين اتبعوهم في الإيمان والهجرة والجهاد - عندما أبيحت الهجرة وتيسرت أسبابها بصلح الحديبية قد فازوا كلهم برضاء الله ووعده لهم بالجنة، وأنه ليس فيهم أحد من المنافقين بل كان جميع المنافقين من أهل المدينة وما حولها إلى أن فتحت مكة وأعتق النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلها فأظهروا الإسلام والسيوف تقطر من دمائهم فكان منهم المنافقون وضعفاء الإيمان المقلدون، وهم الذين كانوا سبب الهزيمة في حنين كما تقدم في تفسير الآيات [25 - 27) ثم حسن إسلام الأكثرين، ففتحوا الفتوحات ونشروا الإسلام في العالمين.
وجملة القول أن جميع أفراد هذه الطبقات الثلاث، قد جازوا القنطرة واستبقوا الصراط، وما عاد يؤثر في كمال إيمانهم شيء ; لأن نورهم يمحو كل ظلمة تطرأ على أحد منهم بإلمامه بذنب. وإذا كان بعض المحدثين يقول: إن من اتفق الشيخان على تعديله في الرواية - أي اعتمدا عليه في أصولهما المسندة - قد جاز قنطرة الجرح، فماذا يقال فيمن عدلهم الله عز وجل وشهد لهم بأنه رضي عنهم ورضوا عنه؟؟ وسيأتي أن الله تعالى تاب على المذنبين والمقصرين وغفر لهم.
وللشيخ محيي الدين بن عربي مناظرة مع نفسه بسطها في كتابه (روح القدس) ذكر فيها أنه في أثناء مجاورته بمكة المكرمة حدث لنفسه من الإعجاب بعبادتها ومعرفتها ما دعاه إلى مناظرتها وإقامة الحجة عليها بغرورها، فعرضها أولا على القرآن، فاعترفت بضعفها عن بلوغ ما قرره من أوج الكمال، فعرضها على سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعذرت بحديث عائشة ((كان خلقه القرآن)) وهو ما يعجز عنه من دونه كل إنسان، فعرضها على فضائل الصحابة فأقرت بعجزها عن الرجحان في هذا الميزان، ومسابقة من رباهم المصطفى بكتاب الله وآياته، وزكاهم بحكمته فاقتبسوا نوره من مشكاته، ولكنها أبت أن تعترف لكبار التابعين بمثل هذا السبق، كان له معها حجاج في أويس القرني، وهو من أعلى حقائق علم النفس.
{وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة} بعد أن بين تعالى حال كملة المؤمنين كلهم قفى عليه بذكر مردة المنافقين من أهل البدو والحضر، وعطفهم عليهم من باب عطف الضد على الضد، فهو يقول: إن بعض الأعراب الذين حولكم أيها المؤمنون منافقون. قال البغوي: وهم من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، كانت منازلهم حول المدينة، أي كما كان فيهم مؤمنون صادقون دعا لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن من أهل المدينة نفسها منافقين أيضا من الأوس والخزرج غير من أعلم الله ورسوله بهم في هذه السورة بما صدر عنهم من الأقوال والأفعال المنافية للإيمان.
وقد وصف هؤلاء بقوله: {مردوا على النفاق} أي مرنوا عليه وحذقوه حتى بلغوا الغاية من إتقانه وجعله بحيث لا يشعر أحد به لاتقائهم جميع الأمارات والشبهات التي تدل عليه.
يقال: مرد على الشيء يمرد (كقعد يقعد) مرودا إذا مرن عليه. وإذا عتا واشتد فيه حتى يتعذر إرجاعه عنه. ومن الأول الغلام الأمرد الذي لم ينبت الشعر في وجهه، والشجرة المرداء التي لا ورق فيها، ومنه مرد الشيء تمريدا إذا صقله وملسه حتى صار أملس لا حرشة فيه ولا خشونة، ومنه
{ صرح ممرد من قوارير } [النمل: 44] قال في اللسان وتأويل المرود أن يبلغ الغاية التي تخرج من جملة ما عليه الصنف. ثم قال: والمرود على الشيء المرون عليه، ومرد على الكلام: أي مرن عليه لا يعبأ به - أي لا يعنى أن يتكلف له - قال الله تعالى: { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } [التوبة: 101]، قال الفراء: يريد مرنوا عليه وجربوا كقولك: تمردوا، وقال ابن الأعرابي: المرد التطاول بالكبر والمعاصي ومنه قوله {مردوا على النفاق} أي تطاولوا. ا هـ.
{لا تعلمهم نحن نعلمهم} أي لا تعرفهم أيها الرسول بفطنتك ودقة فراستك التي تنظر فيها بنور الله لحذقهم وتجنب مثارات الشبهة، وأكد هذا النفي بإثبات العلم بأعيانهم له وحده عز وجل، ولعلهم أخفى نفاقا وأشد تقية ممن قال فيهم:
{ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول } [محمد: 29، 30].
فهؤلاء ممن لم يعلمه الله بأعيانهم كما أعلمه بمن أشير إليهم في الآية [74] ولا فضحهم بأقوال قالوها ولا بأفعال فعلوها كما فضح غيرهم في هذه السورة ; لأنهم بمرودهم على النفاق يتحامون ما يكون شبهة على إيمانهم، فضرره قاصر عليهم، وحكمة إخباره تعالى إياه بذلك أن يعلموا هم أن الله عليم بما يسرون من نفاقهم، ويحذروا أن يفضحهم كما فضح غيرهم ; ليتوب المستعد للإيمان منهم وهو في ستر الله تعالى قبل أن ينجز ما أوعدهم بقوله: {سنعذبهم مرتين} أي في الحياة الدنيا، إحداهما: ما يصيبهم من المصائب وتوبيخ الضمائر، وانتظار الفضيحة بهتك أستار السرائر وما يتلو ذلك من جهادهم إذا ظهر نفاقهم كغيرهم، والثانية: آلام الموت، وزهوق أنفسهم وهم كافرون، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند موتهم، فأقرب ما يفسر به العذاب مرتين هو ما تقدم في تفسير الآيات [55، 73، 74، 82، 85) ففيه بيان لكل ما يصيب المنافقين في الدنيا من عذاب الوجدان الباطن، وعذاب من يفتضح أمرهم في الظاهر، وورد في التفسير المأثور أقوال في هاتين المرتين بعضها في معنى ما ذكرنا وبعضها مردود ومتناقض. {ثم يردون إلى عذاب عظيم} أي في الآخرة وهو عذاب جهنم، وهم في الدرك الأسفل منها كما تقدم.
جاء في كتب التفسير المأثور أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس مرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"إن منكم منافقين فمن سميته فليقم" ثم قال قم يا فلان - حتى سمى 36 رجلا فإن صح فهو عدد الذين سبق تهديدهم في هذه السورة لظهور نفاقهم دون الذين مردوا على النفاق، ولكن لم يرو لنا ما كان من أمر هؤلاء بعد هذه الفضيحة بكفرهم ومنعهم من الصلاة ومقتضاه أن تجري عليهم أحكام المرتدين، ومثل هذا لا يخفى وتتوفر الدواعي على نقله بالتواتر أو الاستفاضة، ولم يرو لنا المحدثون شيئا فيه، والذي أراه أن الرواية غير صحيحة والله أعلم.
والعبرة في هذا السياق أن هؤلاء المنافقين فريقان: فريق عرفوا بأقوال قالوها وأعمال عملوها، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه حتى صار أملس ناعما لا يكاد يشعر أحد بشيء يستنكره منه فيظهر عليه.
وكل من الفريقين يوجد في كل عصر ولا سيما منافقي السياسة في هذا العهد، وهم الذين اتخذهم الأجانب المعتدون على بلاد الإسلام دعاة وولائج وأعوانا على استعباد أمتهم واستعمار أوطانهم، فما من قطر من هذه الأقطار التي رزئت بالأجانب إلا ولهم فيها أعوان وأنصار من أهلها يزعمون أنهم يخدمون أمتهم ووطنهم من طريق استمالتهم واسترضائهم، وأنهم لولاهم لما وفقوا من الظلم وهضم الحقوق عند الحد الذي هم عليه.
ومنهم من يخدمون الأجانب خدما خفية لا تشعر بها الأمة لأنهم مردوا على النفاق، وإنما يحتاج الخونة الخادمون للأجانب إلى نفاق، وتلبيس خيانتهم وإخفائها بالكذب والاختلاق، إذا كان للرأي العام فطنة وقوة يخشونها، وأما البلاد التي استحوذ عليها الجهل والضعف فلا يبالي الخائنون برضاء أهلها ولا بسخطهم.
وأشد المنافقين مرودا وإتقانا للنفاق أعوان الملوك والأمراء المستبدين، وشرهم وأضرهم الذين يلبسون لباس علماء الدين.
{وآخرون اعترفوا بذنوبهم} أي وثم آخرون، أو ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة أناس آخرون ليسوا من المنافقين، ولا من السابقين الأولين، ولا من الذين اتبعوهم بإحسان لا إساءة فيه، بل من المؤمنين المذنبين: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} أي خلطوا في أعمالهم بأن عملوا عملا صالحا وعملا سيئا.
وقيل: معناه خلطوا صالحا بسيئ وسيئا بصالح أو خلطوا في كل منهما ما ليس منه فكان ناقصا ولكنه لم يغلب الآخر ويندغم فيه، فلم يكونوا من الصالحين الخلص ولا من الفاسقين أو المنافقين، ذلك بأنهم آمنوا وعملوا الصالحات، واقترفوا بعض السيئات، وهم أو منهم بعض الذين تخلفوا عن النفر والخروج إلى غزوة تبوك من غير عذر صحيح كالضعفاء والمرضى وغير الواجدين، ولا استئذان كاستئذان المرتابين ولا اعتذار كاذب كالمنافقين، ثم كانوا ناصحين لله في أثناء قعودهم شاعرين بذنبهم، خائفين من ربهم، فكان كل من قعودهم ونصحهم مقترنا بالآخر، كالذي يدخل أرضا مغصوبة فيصلح فيها، ويعترف بأنه مذنب بدخولها ويأتي بالإصلاح لتكفير ذنب الاعتداء.
وهذا المعنى لا يؤديه قولك: خلط العمل الصالح بالسيئ، كما تقول خلط القمح بالشعير أو الماء باللبن ; لأن هذا الضرب من الخلط يصير فيه المخلوط والمخلوط به شيئا واحدا أو كالشيء الواحد فلا يقول صاحبه: عندي ماء فرات، ولا لبن محض. وأما الضرب الأول المراد من الآية فقد بقي فيه كل نوعين ممتازا بنفسه، وإنما خلطه مع الآخر عبارة عن الجمع بينهما وعدم انفراد أحدهما دون الآخر، والواو العاطفة هي التي تؤدي هذا المعنى من الجمع، وهو من دقائق بلاغة القرآن بالعدول عن التعدية بالباء إلى العطف.
{عسى الله أن يتوب عليهم} أي هم محل الرجاء لقبول الله توبتهم، التي يشير إلى وقوعها اعترافهم بذنوبهم، وقد تقدم (في ص 190 ج 10. ط الهيئة) أن كلمة (عسى) وضعت للتقريب والإطماع، ثم استعملت في الرجاء كلعل، وقول بعضهم: إنها من الله للإيجاب - غير صحيح، أو لتوفيقهم للتوبة الصحيحة التي هي سبب المغفرة والرحمة، وإنما تتحقق التوبة: بالعلم الصحيح بقبح الذنب وسوء عاقبته وألم الوجدان من تصور سخط الله والخوف من عقابه، والإقلاع عن الذنب أو الذنوب؛ بباعث هذا الألم الذي هو ثمرة ذلك العلم، والعزم على عدم العود إلى اقترافها، ثم العمل بضدها ; ليمحى من النفس أثرها، والروايات صريحة بأن اعتراف من ذكر بذنوبهم قد استتبع كل هذا.
{إن الله غفور رحيم} تعليل لرجاء قبول توبتهم، إذ معناه أنه كثير المغفرة للتائبين واسع الرحمة للمحسنين، كما قال:
{ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } [طه: 82] وكما قال: { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [الأعراف: 56] وكما قص علينا من خبر استغفار الملائكة للمؤمنين قولهم: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } إلى قوله: { وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته } [غافر: 7 - 9].
قال بعض العلماء: إن هذه الآية أرجى آية في القرآن، وقال آخرون أرجى الآيات قوله تعالى:
{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } [الزمر: 53] وإنما هذا علاج لمن اشتد عليهم الخوف من إسرافهم في شهواتهم، حتى كادوا يقنطون من رحمة ربهم لا للمصرين على ذنوبهم بغير مبالاة، ولذلك قال بعدها: { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } [الزمر: 54] إلى آخر الآيات.
ومن العبرة في هذه الأقسام للمسلمين أن قسم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا يوجد في كل زمان ومكان، كقسم الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وأما المهاجرون والأنصار الأولون الذين أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهم بناء الإسلام فهم الذين لا يلزبهم قرين. ولا يلحقهم لاحق من العالمين، ولعل أكثر المسلمين الصادقين في هذا الزمان من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ولعل أسوأ سيئاتهم ترك الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله فيجب أن يسترشدوا بهذه الآية، وبما ورد في سبب نزولها من توبة أبي لبابة وأصحابه، ولا تتم العبرة بها، إلا بتدبر ما بعدها، وهو تطهير النفس من النفاق وضعف الإيمان، ببذل الصدقات وغيره من صالح الأعمال.
وقد روى البخاري في تفسير الآية في صحيحه عن سمرة بن جندب مرفوعا:
"أتاني الليلة (أي في النوم) ملكان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة بلبن ذهب، ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم" . ا هـ
فهذا تمثيل في الرؤيا لتحسين العمل الصالح وتجميله للنفس وتشويه العمل القبيح لها، ولتطهيرها، بالتوبة والعمل الصالح حتى تكون كلها حسنة جميلة وأهلا لدار الكرامة بعد أن تبعث في الصورة التي كانت عليها قبل التوبة. وقد قال تعالى:
{ إن الحسنات يذهبن السيئات } [هود: 114] وشبه النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس بنهر يفيض على عتبة الإنسان خمس مرات كل يوم "فهل يبقي عليها وسخا أو قذرا؟"
".