التفاسير

< >
عرض

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
١٠٣
أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
١٠٤
وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥
-التوبة

تفسير المنار

هذه الآيات الثلاث في بيان فوائد صدقة الأموال ومنافعها، والحث عليها وعلى التوبة لمن قصر في الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه، أو في غير ذلك من أمور دينه. وفي الحث على العمل، وكونه هو الذي عليه المعول.
أخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة
"أن أبا لبابة وأصحابه جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أطلقوا فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فأنزل الله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}" وأخرج مثله عنه من طريق محمد بن سعد عن آبائه وزاد: فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جزءا من أموالهم فتصدق بها عنهم وله في سبب النزول روايات أخرى.
وهذا النص حكمه عام وإن كان سببه خاصا، عام في الآخذ يشمل خلفاء الرسول من بعده ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وفي المأخوذ منهم وهم المسلمون الموسرون، قال العماد بن كثير: وهذا عام وإن عاد الضمير في: (أموالهم) إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - واحتجوا بقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} الآية.
وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة - رضي الله عنهم - وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقا - وفي رواية عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأقاتلنهم على منعه. انتهى. وهذا مشهور في الصحاح والسنن والسير ومجمع عليه، وهاك معنى الآية.
{خذ من أموالهم صدقة} أي خذ أيها الرسول من أموال من ذكر، ومن سائر أموال المؤمنين - على اختلاف أنواعها، ومنها مال التجارة - صدقة معينة كالزكاة المفروضة أو غير معينة وهي التطوع - فالصدقة ما ينفقه المؤمن قربة لله كما تقدم في نفقة مؤمني الأعراب {تطهرهم وتزكيهم بها} أي تطهرهم بها من دنس البخل والطمع والدناءة والقسوة على الفقراء البائسين وما يتصل بذلك من الرذائل، وتزكي أنفسهم بها: أي تنميها وترفعها بالخيرات والبركات الخلقية والعملية حتى تكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية.
فالمطهر هنا الرسول والمطهر به الصدقة. والتزكية صيغة مبالغة من الزكاء وهو نماء الزرع ونحوه، قال في مجاز الأساس: رجل زكي زائد الخير والفضل بين الزكاء والزكاة،
{ وحنانا من لدنا وزكاة } [مريم: 13] ا هـ.
والتزكية للأنفس بالفعل تسند إلى الله تعالى ; لأنه هو الخالق المقدر الموفق للعبد لفعل ما تزكو به نفسه وتصلح، قال تعالى:
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء } [النور: 21] وتسند إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المربي للمؤمنين على ما تزكو به أنفسهم، ويعلو قدرها بسنته العملية والقولية في بيان كتاب الله، وما لهم فيه من الأسوة الحسنة ومنه هذه الآية، وقال تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } [الجمعة: 2] فتزكيته - صلى الله عليه وسلم - للأمة من مقاصد البعثة وتسند إلى العبد لكونه هو الفاعل لما جعله الله سببا لطهارة نفسه وزكائها كالصدقات وغيرها من أعمال البر ومنه قوله تعالى: { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } [الشمس: 9، 10] وقوله: { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } [الأعلى: 14 و15].
وأما قوله تعالى:
{ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء } [النساء: 49] وقوله { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } [النجم: 32] فهو في زكاء النفس بدعوى اللسان، فالتزكية تطلق على الفعل المزكى وهي الأصل وعلى القول الدال عليه، ومنه تزكية الشهود.
{وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} قرأ حمزة والكسائي وحفص: (صلاتك) بالمفرد أي جنسها والباقون: [صلواتك) بالجمع وهو باعتبار جماعة المتصدقين. والصلاة اسم من صلى يصلي تصلية، وقد هجر لفظ التصلية في الإسلام، ومنه:

تركت الدنان وعزف القيان وأدمنت تصلية وابتهالا.

ومعناها الأصلي الدعاء، وهو المراد من الآية، وسميت العبادة الإسلامية المخصوصة صلاة من تسمية الشيء بأهم أجزائه، فإن الدعاء مخ العبادة وروحها، وقيل في التعليل غير ذلك. والصلاة من الله على عباده الرحمة والحنان، ومن ملائكته الدعاء والاستغفار، قال تعالى: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما } [الأحزاب: 43] ثم قال: { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } [الأحزاب: 56] وصلاتنا على نبينا - صلى الله عليه وسلم - دعاؤنا له بما أمرنا به في الصلاة بعد التشهد الأخير، وما في معناه كقولنا في دعاء الأذان المأثور: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته)) رواه الجماعة إلا مسلما، والسكن: ما تسكن إليه النفس وترتاح من أهل ومال ومتاع وثناء.
والمعنى ادع أيها الرسول للمتصدقين واستغفر لهم عاطفا عليهم: إن دعاءك واستغفارك سكن لهم، يذهب به اضطراب أنفسهم إذا أذنبوا، وتطمئن قلوبهم بأن تقبل توبتهم إذا تابوا ويرتاحون إلى قبول الله صدقاتهم بأخذك لها، ووضعك إياها في مواضعها {والله سميع عليم} أي سميع لدعائك سماع قبول وإجابة، عليم بما فيه من الخير والمصلحة.
فالمراد من السماع والعلم لازمهما. وسميع لاعترافهم بذنوبهم، عليم بندمهم وتوبتهم منها، وبإخلاصهم في صدقتهم وطيب أنفسهم بها، فهو الذي يثيبهم عليها، فجملة (إن صلاتك) تعليل للأمر بالدعاء، وتذييلها بالتذكير بسمع الله وعلمه إشعار بقبول الدعاء وقبول الطاعات والجزاء عليها، وتصرح به الآية التالية.
روى الشيخان من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال:
"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى" فقوله: بصدقته صريح في أن المراد بها زكاة الفريضة، وهو يدل على أن المراد بالآية صدقة الفريضة أو ما يعم الفريضة وغيرها، وعلى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مواظبا على هذا الدعاء ; ولذلك قيل إن الأمر في الآية للوجوب وهو خاص به - صلى الله عليه وسلم - وقال بعض الظاهرية بوجوب الدعاء على آخذي الزكاة من الأئمة أيضا، والجمهور على أنه مستحب لهم.
وقد بوب البخاري للحديث بقوله: (باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة)، وقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} - إلى قوله: - {سكن لهم} والجمهور على أن الدعاء بلفظ الصلاة خاص بدعائه - صلى الله عليه وسلم - لغيره وبدعاء المسلمين له، وقيد الأول بعض العلماء بما عدا هذا اللفظ الذي كان يدعو به للمتصدقين
"اللهم صل على فلان" عند إعطاء الصدقة. وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بغيره أيضا فقد روى النسائي من حديث وائل بن حجر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة "اللهم بارك فيه وفي إبله" وقال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
والأفضل الجمع بين الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله، وأكثر المسلمين يخص بالسلام الأنبياء والملائكة، وكذا جماعة آل بيته - صلى الله عليه وسلم -، والشيعة يلتزمون السلام على السيدة فاطمة وبعلها وولديهما والأئمة المشهورين من ذرية السبطين، ويوافقهم كثير من أهل السنة وغيرهم في الزهراء والسبطين ووالدهما سلام الله ورضوانه عليهم إذا ذكروا جماعة أو أفرادا، وأما الصلاة والسلام على الآل بالتبع للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو مجمع عليه، ومنه صلاة التشهد، وكذا عطف الصحابة والتابعين على الآل ذائع في الكتب والخطب والأقوال.
(فصل في فوائد الزكاة المفروضة والصدقات والإصلاح المالي للبشر)
وامتياز الإسلام بذلك على جميع الأديان
ما ذكره الله تعالى من تطهير الصدقة للمؤمنين وتزكيتهم بها يشمل أفرادهم وجماعتهم، فهي تطهر أنفس الأفراد من أرجاس البخل والدناءة والقسوة والأثرة والطمع والجشع، ومن أكل أموال الناس بالباطل من خيانة وسرقة وغصب وربا وغير ذلك، فإن الذي يتربى بالإيمان على بذل بعض ما في يده أو ما أودعه في خزانته وصندوقه في سبيل الله ابتغاء مرضاته ومغفرة ذنوبه ورفع درجاته جدير بأن ينزه نفسه عن أخذ مال غيره بغير حق.
وهذا التطهير لأنفس الأفراد وتزكيتها بالعلم، والتقوى التي هي مجموع ثمرات الإيمان، يستلزم تطهير جماعة المؤمنين (وما يعبر عنه في عرف هذا العصر بالهيئة الاجتماعية) من أرجاس الرذائل الاجتماعية التي هي مثار التحاسد والتعادي والبغي والعدوان والفتن والحروب.
ذلك بأن الأموال قوام حياة الناس وقطب الرحى لمعايشهم ومرافقهم العامة والخاصة وهم متفاوتون في الاستعداد للكسب والتثمير، والإسراف والتقتير، والقصد والتدبير، والجود والبخل، والتعاون على البر، فلا ينفك بعضهم محتاجا إلى بعض في كسب الرزق وفي إنفاقه، وأشدهم استعدادا لجمع الثروة الذين يغلب على طباعهم الحرص والبخل حتى على أنفسهم وأولي قرباهم، وبهذا يكون بعضهم فتنة - أي امتحانا - لبعض ومثارا للتنازع والتخاصم كما قال تعالى:
{ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } [الفرقان: 20] أي ذلك مقتضى سنته في تفاوت البشر في الاستعداد والأخلاق والأعمال. وقد بينا حكمة ذلك من قبل.
ولما كان الدين مرشدا للبشر إلى تزكية أنفسهم وتقويم أخلاقهم بما تصلح به فطرتهم، ويرتقي به أفرادهم وجماعتهم - شرع الله فيه من الأحكام التعبدية والعملية ما يقيهم شر هذه الفتنة وينقذهم مما يترتب على إهمالها من المحنة فأوجب على أصحاب الأموال من النفقات والصدقات ما يبدل سيئات الثروة في الإسلام حسنات.
وإننا لم نجد في كتب التفسير ولا كتب الفقه ولا دواوين التاريخ بيانا علميا لحكمة الشريعة في السياسة المالية وما انفردت به من الإصلاح المعقول فيها، وكنت عازما على شرح ذلك في تفسير هذه الآية فلما وصلت إليه وفكرت في أصول هذه المسألة وفروعها تبين لي أنه لا يمكن تفصيل القول فيها إلا بتأليف سفر مستقل ورأيت أن أكتفي هنا بإيراد أهم الحقائق التي تشير إلى عظم شأن هذه المسألة وإصلاح الإسلام فيها فأقول:
إن اتساع دوائر العلوم والفنون والمصالح العامة في هذا العصر قد اضطر الباحثين إلى انفراد بعض الأفراد والجماعات للإحصاء في كل فرع من فروعها لتمحيص مسائلها والإحاطة بها بقدر الإمكان، حتى إن الرجال الماليين لا يستحقون هذا اللقب فيه (أي لقب المالي) إلا بعد إتقان عدة علوم منها، والتمرن، بالعمل في بعض فروعها.
وإننا نرى بعض الاجتماعيين منهم يجزمون بأن جميع الثورات والحروب السياسية والدينية ذات الشأن في تاريخ البشر قد كان المال سببها الصحيح، أو أحد الأسباب المؤثرة فيها أشد التأثير، ولم يستثنوا من ذلك حروب أوربة الدينية ولا حروبها الصليبية للإسلام.
بل نشر منذ سنين كتاب عربي طبع في القدس موضوعه (الحركات الفكرية في الإسلام) زعم مؤلفه تابعا لبعض مؤرخي الإفرنج: أن الإسلام لم يكن فكرة دينية محضا بل كان مسألة اقتصادية واجتماعية أيضا، أو كان هذا هو الغرض الأول المقصود بالذات منه ولم يكن الدين إلا وسيلة له، ونقل عن (كايتاني) المؤرخ الإيطالي المشهور أن الإسلام لم يكن دينيا إلا في الظاهر وأن جوهره كان سياسيا واقتصاديا.
قال "ومن فضل مؤسس الدين الإسلامي ومظاهر عبقريته أنه أدرك مصدر الحركة الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت في أيامه بمكة عاصمة الحجاز، وعرف كيف يستفيد منها ويسخرها لأغراضه السامية دينية كانت أو اجتماعية، ثم بسط ذلك من طريق ظواهر التاريخ بما هو باطل في نفسه، خادع ببعض مظاهره، وما أظن أن الناقل عنه - وهو نصراني الديانة. شيوعي السياسة - يعتقد اعتقاده هذا، وإنما يريد فيما يظهر نشر الشيوعية التي ابتدعها بلاشفة دولته الروسية في العرب وزلزلة العقائد الإسلامية في المسلمين، وربما نجد فرصة للرد على كتابه في المنار.
وحسبي هنا أن أقول: لو كان الإسلام كما ذكر لظهر أثره في أعلم الناس بحقيقته، وأصدقهم في إقامة أركانه بالعلم والعمل، وفي طليعتهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المجتهدون، وقد قال عمر بن عبد العزيز الجامع بين الإمامتين في كتاب له إلى بعض عماله الماليين: إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - بعث هاديا، ولم يبعث جابيا.
والحق أن الإسلام هو الدين الوسط، الجامع بين مصالح الروح والجسد، للسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة، فهو وسط بين اليهودية المالية الدنيوية، والنصرانية الروحانية الزهدية، وأن من مقاصده الإصلاحية في الاجتماع البشري هداية الناس إلى العدل والفضل في أمر المال ; ليكتفي الناس شر طغيان الأغنياء، وذلة الفقراء، ونصوص القرآن والسنة في هذا هي الغاية القصوى في الإصلاح، وهي هادمة لمزاعم هؤلاء المفتاتين على الإسلام بالجهل والهوى.
غلا عباد المال من اليهود والإفرنج في جمعه واستغلاله، واستعباد الألوف وألوف الألوف من العمال الفقراء به، بجعله دولة بينهم، وغلا خصومهم من الاشتراكيين في مقاومتهم ومحاولة جعل الناس فيه شرعا، وجعله بينهم حقا شائعا فانتهى هذا الغلو بالشيوعية الروسية في عصرنا أن استعبدت أكثر من مائة ألف من البشر تسخرهم في تنفيذ مذهبها كالأنعام والدواب، وتبذل جل ما تنتزعه من ثروتهم في بث الدعاية له في جميع الأقطار. ويخشى العقلاء من عاقبة هذا الإسراف والغلو من الجانبين حربا عامة طامة، وفتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة.
ولا منقذ للأمم من هذه الفتنة وعواقبها إلا بدين الإسلام أعني بالتدين به والعمل بأحكامه المالية وغيرها. ولا يمكن التزامها بالعمل إلا بإذعان الدين، وقد بدأ عقلاء الإفرنج يشعرون بالحاجة إلى دين معقول يصلح بالتزامه فساد هذه المدنية المادية، ولن يجدوا حاجتهم إلا في دين القرآن، وسنة خاتم النبيين - عليه الصلاة والسلام -، وأخشى ألا يهتدوا إليه إلا بعد البطشة الكبرى والطامة العظمى، وهي حرب التدمير المنتظرة من تنازع البلشفية والرأسمالية، وإنني أذكر هنا أهم أصول الإصلاح الإسلامي في المسألة المالية التي تبتدر فكري وتبدهه فأقول:
(1) إقرار الملكية الشخصية وتحريم أكل أموال الناس بالباطل.
(2) تحريم الربا والقمار.
(3) منع جعل المال دولة بين الأغنياء: أي يتداولونه بينهم من دون الفقراء ولم يكن هذا التداول في عصر من أعصار البشر كما في عصر النظام المالي المتبع في الحضارة الغربية نظام البيوت المالية (المصارف) والشركات والاحتكارات التي يحاربها العمال، ويعادون لأجلها أرباب الأموال.
(4) الحجر على السفهاء في أموالهم، حتى لا يضيعوها فيما يضرهم ويضر أمتهم.
(5) فرض الزكاة المطلقة في أول الإسلام، وكانت اشتراكية باعثها إذعان الوجدان لا إكراه الحكام، ثم نسخت أو قيدت بالمعينة الإجبارية عندما صار للإسلام دولة، ولو وجدت تلك الحال التي كان عليها المسلمون في مكة قبل الهجرة لوجبت عليهم فيها تلك الزكاة الاشتراكية، أعني أنه إذا وجد في مكان جماعة محصورون منهم الموسر والمعسر، وصاحب الثروة وذو الفقر المدقع، وجب أن يقوم أغنياؤهم بكفاية فقرائهم وجوبا دينيا إذا كانت الزكاة المعينة لا تكفيهم.
(6) جعل الزكاة المعينة ربع العشر في النقدين والتجارة، والعشر أو نصف العشر في الغلات الزراعية التي عليها مدار الأقوات، وزكاة الأنعام معروفة في كتب الحديث والفقه.
(7) فرض نفقة الزوجية والقرابة.
(8) إيجاب كفاية المضطر من كل جنس، ودين وضيافة الغريب حيث لا مأوى ولا فنادق للمسافرين، إلا إذا كان مهدور الدم أو محاربا للمسلمين.
(9) جعل بذل المال كفارة لبعض الذنوب (ومنها الظهار وإفساد صيام يوم من رمضان بشروطها المعروفة).
(10) ندب صدقات التطوع والترغيب فيها.
(11) ذم الإسراف والتبذير، والبخل والشح والتقتير، وعده من أسباب الهلكة وسوء المصير، أي للأفراد وللأمة والدولة.
(12) إباحة الزينة والطيبات من الرزق بشرط اجتناب الإسراف والخيلاء الموقعين في الأمراض والأدواء البدنية، المضيعين للثروة المالية، المثيرين للحسد والعداوة والمفاسد الاجتماعية، وهي من أعظم أسباب ترقي الثروة.
(13) مدح القصد والاعتدال، في النفقة على النفس والعيال.
(14) تفضيل الغني الشاكر، على الفقير الصابر. بجعل اليد العليا خيرا من اليد السفلى. وأعمال البر المتعدي نفعها إلى الناس أفضل من الأعمال القاصر نفعها على فاعلها، وجعل الصدقة الجارية، من المثوبات الدائمة الباقية.
أرأيت أمة من الأمم تقيم هذه الأركان ويوجد فيها فقر مدقع، أو غرم موجع، أو شقاء مفظع؟
ألم تر أن زكاة النقدين الواجبة - وهي ربع العشر - هي أوسط ربح تدفعه المصارف المالية لمودعي نقودهم فيها للاستغلال، وقد يقل عن ذلك؟
قدر الثروة القومية في النقد والتجارة للشعب المصري، وانظر مقدار ربع عشرها الواجب دفعه في كل عام لفقرائها ومصالحها، وارجع البصر إلى سائر أنواع الزكاة ومقاديرها، تعرف قدر سعادته إذا وضعها في مواضعها وتعلم صدق ما قلناه في تفسير آية مصارف الصدقات من أن أداء الزكاة وحده كاف لإعادة مجد الإسلام الذي أضاعه المسلمون.
اقرأ
{ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [البقرة: 195] واقرأ { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [الحشر: 9] وتدبر جد التدبر { هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } [محمد: 38].
وقد جاء في الكتاب والسنة من الترغيب في بذل المال في سبل البر، وجعله من أكبر آيات الإيمان، وموجبات الثواب والرضوان، وتبويء غرف الجنان وتسميته إقراضا للرحمن ما لم يجئ مثله في أي عمل من أعمال البر والإحسان. وتجد أكثر الشواهد على ذلك في سورة البقرة ثم في هذه السورة (براءة) ما تقدم تفسيره منها وما تأخر.
{ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} أي ألم يعلم أولئك التائبون من ذنبهم أن الله هو الذي يقبل توبة التائبين من عباده، ولم يجعل ذلك لرسوله بله من دونه من خلقه، فالاستفهام لتقرير ما دل عليه القرآن وكونه هو الذي حملهم على التوبة - أو ألم يعلم المؤمنون كافة هذا وهو مقتضى الإيمان وموجبه؟ والاستفهام على هذا تحضيض على هذا العلم وما يستلزمه من التوبة. وقبول التوبة عنهم قيل: إنه بمعنى قبولها منهم، نحو: لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى، وقيل: إن القبول هنا قد تضمن معنى التجاوز والصفح، أي هو الذي يقبلها منهم متجاوزا عن ذنوبهم عفوا عنها وهذا أبلغ.
{ويأخذ الصدقات} أي يتقبلها بأنواعها ويثيب عليها، ويعدها إقراضا له فيضاعف ثوابها، بمقتضى وعده في مثل قوله:
{ إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم } [التغابن: 17] وقوله: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } [البقرة: 245] فأخذ الصدقات له ثلاث صور (أحدها): أخذ الفقراء والمساكين وغيرهم إياها من المستحقين إياها من يد المتصدق (الثانية) أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - في عهده والأئمة من بعده إياها لأجل وضعها في مصارفها التي أمر الله بها (الثالثة) أخذ الله عز وجل إياها وهو قبولها للإثابة عليها بالمضاعفة التي وعدها. وفي التعبير بأخذ الله تعالى بعد قوله للنبي: {خذ من أموالهم صدقة} تشريف للنبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه تعالى هو الذي يأخذ ما أمره بأخذه:
{وأن الله هو التواب الرحيم} أي وأنه هو الذي يقبل التوبة بعد التوبة من كل مذنب يشعر بضرر ذنبه، ويتوب عنه منيبا إلى ربه مهما يتكرر ذلك. (الرحيم) بالتائبين الذي يثيبهم. فصيغة المبالغة (التواب) تتحقق بكثرة التائبين وبتكرار التوبة من المذنب الواحد الذي يمنعه الخوف من ربه أن يصر على ذنبه، كما قال تعالى في وصف المتقين:
{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } [آل عمران: 135].
وفي الحديث:
"ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" . روى الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعا: "ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله" والحديث تمثيل لمضاعفته تعالى للصدقة المقبولة.
وهذه الجملة الاسمية المؤكدة بأن وبضمير الفصل، الدالة على الحصر، وما فيها من صيغة المبالغة بمعنى الكثرة من التوبة، ومبالغة الصفة الراسخة من الرحمة تفيد أعظم البشرى للتائبين، وأبلغ الترغيب في التوبة للمذنبين، كما لا يخفى على المتدبرين.
{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} هذا عطف على قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة}، إلخ، أي: وقل لهم أيها الرسول: اعملوا لدنياكم وآخرتكم ولأنفسكم وأمتكم (حذف متعلق العمل يدل على العموم، وقدره بعضهم: اعملوا ما شئتم) فإنما العبرة بالعمل لا بالاعتذار عن التقصير، ولا بدعوى الجد والتشمير، وخير الدنيا والآخرة منوطان بالعمل، وهو لا يخفى على الله ولا على الناس أيضا فسيرى الله عملكم خيرا كان أو شرا، فيجب عليكم أن تراقبوه تعالى في أعمالكم، وتتذكروا أنه ناظر إليكم، عليم بمقاصدكم ونياتكم لا تخفى عليه منكم خافية، وجدير بمن يؤمن برؤية الله لعمله أن يتقنه، وأن يخلص له النية فيه، فيقف فيه عند حدود شرعه، ويتحرى به تزكية نفسه والخير لخلقه، ولا يكتفي فيه بترك معاصيه، واجتناب مناهيه.
راود رجل امرأة عن نفسها في فلاة قائلا: إنه لا يرانا هنا إلا الكواكب، قالت: فأين مكوكبها؟ فخجل وانصرف. وسيراه رسوله والمؤمنون ويزنونه بميزان الإيمان المميز بين الإخلاص والنفاق، وهم شهداء الله على الناس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي:
"لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان" وقال زهير:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم

فإذا كانت الخلائق النفسية، والأعمال السرية، لا تخفى على الناس مهما يكن من محاولة صاحبها لإخفائها، فماذا يقال في الأعمال التي هي مقتضى العقائد والأخلاق وما انطبعت عليه النفس من الملكات، ومرنت عليه من العادات؟ نرى المؤمنين الصادقين يخفون بعض أعمال البر التي يستحب إخفاؤها كالصدقة على الفقير المتعفف سترا عليه، ومبالغة في الإخلاص لله تعالى الذي ينافيه الرياء وحب السمعة ولكنهم لا يلبثون أن يشتهروا بها، ونرى بعض المنافقين يخفون بعض أعمال النفاق خوفا من الناس لا من الله، ولكنهم لا يلبثون أن يفتضحوا بها. ومن أمثال العوام: إن الذي يختفي هو الذي لا يقع.
والآية تهدينا إلى أن مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان، المقررة صفاتهم في القرآن تلي مرضاة الله ورسوله، وأنهم لا يجتمعون على ضلالة.
وفي معناه حديث أنس في الصحيحين قال:
"مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وجبت ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" وفي لفظ مسلم تكرار "وجبت" ثلاث مرات في الموضعين وكذا تكرار "أنتم شهداء الله في الأرض".
وفي معناه حديث ابن عمر مرفوعا:
"إن الله لا يجمع أمتي" - أو قال: أمة محمد - "على ضلالة، ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ إلى النار" أخرجه الترمذي من طريق سليمان المديني وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المديني عندي هو سليمان بن سفيان انتهى. أقول: وهو ضعيف منكر الحديث باتفاقهم ويعزى الحديث إلى الطبراني بلفظ "لا تجتمع أمتي على ضلالة" والعلماء يستدلون به على حجية الإجماع لصحة معناه بموافقته للآيات والصحاح من الأخبار، وإنما يدل على إجماع الأمة، أمة الإجابة وأهل الاستقامة، لا على الإجماع المصطلح عليه عند الأصوليين.
وفي معناه قول ابن عباس "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" رواه عنه أحمد في السنة لا في المسند ومن الناس من يظن أنه حديث مرفوع، ويستدل به الجهال حتى من المعممين أدعياء العلم على استحسان البدع الفاشية حتى في العقائد الثابتة كبدع القبور التي كان يلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعليها في مرض موته، من بناء المساجد عليها، والصلاة إليها، وإيقاد السرج والمصابيح عندها، بل ما هو شر من ذلك وهو عبادتها بالطواف حولها، ودعاء أصحابها والنذر لهم، والاستغاثة بهم، حتى في الشدائد وهو ما لم يكن يفعله عباد الأصنام في مثل هذه الحال. بل كانوا فيه يخلصون الدعاء لله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
بعد هذا الإرشاد إلى ما يقتضي الإحسان في الأعمال من مراقبة الله وتحري مرضاته ومرضاة رسوله وجماعة المؤمنين والخير لعباده بها - ذكرهم تعالى بما يقتضي ذلك من جزاء الآخرة عليها، فقال: {وستردون إلى عالم الغيب والشهادة} بالبعث بعد الموت {فينبئكم بما كنتم تعملون} في الدنيا مما كان مشهودا للناس منه، وما كان غائبا عن علمهم منه ومن نياتكم فيه، ينبئكم به عند الحساب، وما يترتب عليه من الجزاء بحسن الثواب، أو سوء العذاب.