التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
٧٣
يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
٧٤
-التوبة

تفسير المنار

هاتان الآيتان تهديد للمنافقين، وإنذار لهم بالجهاد كالكفار المجاهرين، إذا استرسلوا بهذه الجرأة في إظهار ما ينافي الإيمان والإسلام، من الأقوال والأفعال، كالقول الذي أنكروه بعد أن أظهره الله عليه، وكذبهم الله تعالى في إنكارهم، أو بجهاد دون جهاد الكفار المحاربين وأقله ألا يعاملوا بعد هذا الأمر كمعاملة المؤمنين الصادقين، وأن يقابلوا بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر واللين، وغير ذلك مما يأتي بيانه في هذه السورة. قال عز وجل:
{ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} أي: ابذل جهدك في مقاومة الفريقين الذين يعيشون مع المؤمنين بمثل ما يبذلون من جهدهم في عداوتك، وعاملهم بالغلظة والشدة الموافقة لسوء حالهم، وقدم ذكر الكفار في جهاد الدنيا ; لأنهم المستحقون له بإظهارهم لعداوتهم له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولما جاء به، والمنافقون يخفون كفرهم وعداءهم ويظهرون الإسلام فيعاملون معاملة المسلمين في الدنيا، وقدم ذكر المنافقين في جزاء الآخرة ; لأن كفرهم أشد، وعذرهم فيه أضعف، وقد تقدم تفسير الجهاد بمعناه العام المستعمل في القرآن، وبمعناه الخاص بالقتال في مواضع أجمعها الاستطراد الذي كتبناه في آخر آية الجزية (ص269 وما بعدها ج 10 ط الهيئة) وفيها أن الجهاد مشاركة من الجهد وهو الطاقة والمشقة كالقتال من القتل، وأنه حسي ومعنوي، وقولي وفعلي، واتفق علماء الملة على أن المنافقين يعاملون بأحكام الشريعة كالمسلمين الصادقين، فلا يقاتلون إلا إذا أظهروا الكفر البواح بالردة، أوبغوا على جماعة المسلمين بالقوة، أو امتنع بعض طوائفهم من إقامة شعائر الإسلام وأركانه.
وروي في تفسير الآية المأثور عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان، ففسر الكفار هنا بالحربيين، وسيأتي من جهاد المنافقين حرمانهم من الخروج والقتال مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن صلاته على جنائزهم، وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال لما نزلت: {ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} أمر رسول الله أن يجاهد بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليلقه بوجه مكفهر، فقوله: " فليلقه " يفهم منه أن هذا في جهاد الأفراد بالمعاملة، لا في جهاد الجماعات بالمقاتلة، فهو إذا بمعنى إزالة المنكر في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه الجماعة - إلا البخاري - من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ، وزاد ابن مسعود: لقاء الكافر أو المنافق بوجه مكفهر أي: عبوس مقطب، ولكن لا يظهر جعله دون كراهة القلب، ولا أن كراهة القلب لا تستطاع، ولم نقف على سند هذا الحديث فنعرف مكانه من الصحة.
وكان من شمائله ـ صلى الله عليه وسلم ـ طلاقة الوجه، والبشاشة في وجوه جميع من يلقاهم حتى الكفار والمنافقين، روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن عائشة:
"أن رجلا استأذن على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة فلما جلس تطلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا عائشة متى عهدتني فاحشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره " وكان ذلك الرجل على الراجح عيينة ابن حصن الذي تقدم ذكره في المؤلفة قلوبهم في سياق قسمة الغنائم بعد غزوة حنين وسياق مصارف الزكاة، وكان سيد قومه على حماقته، فلقب بالأحمق المطاع وقد أسلموا تبعا له، فكان إسلامهم أصح من إسلامه.
ولا تعارض بين الحديثين لأن حديث عائشة من شمائل النبي وآدابه العامة. وحديث ابن مسعود في معاملة خاصة بالمنافقين والكفار هي من قبيل العقوبة، فالأول بمعنى قوله تعالى:
{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } [آل عمران: 159] وفي معناه أحاديث كثيرة، والثاني مفسر للآية التي نحن بصدد تفسيرها، وفي معناها قوله تعالى: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } [التوبة: 123] والغلظة في اللغة: الخشونة والشدة، ومعاملة العدو المحارب بهما من الشيء في موضعه، ومعاملته باللين والرحمة وضع لهما في غير موضعهما.
ووضع الندى في موضع السيف في العلا... مضر كوضع السيف في موضع الندى.
وأما الأعداء غير المحاربين كالمنافقين الذين قال الله عنهم لرسوله:
{ هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } [المنافقون: 4] والكفار المعاهدين والذميين الخائنين فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعاملهم أولا بلطفه ولينه بناء على حكم الإسلام الظاهر، وكانت هذه المعاملة هي التي جرأت المنافقين على أذاه بما تقدم في هذا السياق، ومنه قولهم فيه: " هو أذن " [61] وكذلك كفار اليهود، كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاهدهم ووفى لهم، وكانوا يؤذونه حتى بتحريف السلام عليه بقولهم: السام عليكم، وهو الموت، فيقول: " وعليكم " ثم تكرر نقضهم لعهده حتى كان من أمرهم ما تقدم بيانه في تفسير سورة الأنفال (ص46 وما بعدها ج 10 ط الهيئة) فأمره الله تعالى في هذه الآية بالغلظة على الفريقين في جهاده التأديبي لهم - ومثلها بنصها في سورة التحريم - وهو جهاد فيه مشقة عظيمة ; لأنه موقف وسط بين رحمته ولينه للمؤمنين المخلصين، وشدته في قتاله للأعداء الحربيين، يجب فيه إقامة العدل، واجتناب الظلم.
ومن كلام عمر ـ رضي الله عنه ـ فيه: أذلوهم ولا تظلموهم، وهذه الغلظة الإرادية (أي غير الطبيعية) تربية للمنافقين وعقوبة، يرجى أن تكون سببا لهداية من لم يطبع الكفر على قلبه، وتحيط به خطايا نفاقه، فإن اكفهراره ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وجوههم تحقير لهم يتبعه فيه المؤمنون، وبه وبما سيأتي يفقدون جميع منافع إظهار الإسلام الأدبية، ومظاهر أخوة الإيمان وعطفه، فمن رأى أنه محتقر بين قومه وأبناء جنسه، من الرئيس والإمام الأعظم وغيره يضيق صدره، ويرجع إلى نفسه بالمحاسبة، فيراها إذا أنصف وتدبر مليمة مذنبة فلا يزال ينحي عليها باللائمة، حتى تعرف ذنبها، وتثوب إلى رشدها، فتثوب إلى ربها، وهي سياسة حكمة كانت سبب توبة أكثر المنافقين، وإسلام ألوف الألوف من الكافرين.
هذا وإن معاشرة الرئيس من إمام وملك وأمير لمنافقي قومه بمثل ما يعاشر به المخلصين منهم، فيه توطين لأنفسهم على النفاق، وحمل لغيرهم على الشقاق، فكيف إذا وضع المحاسنة موضع المخاشنة، والإيثار لهم حيث تجب الأثرة عليهم، وبالغ في تكريمهم بالحباء والاصطفاء، لمبالغتهم في التملق له، ودهان الدهاء، والإطراء في الثناء؟ فإن هذه المعاملة مفسدة لأخلاق الدهماء، ومثيرة لحفائظ المخلصين الفضلاء، وكم أفسدت على الملوك الجاهلين أمرهم، وكانت سببا لإضاعة ملكهم.
{ومأواهم جهنم وبئس المصير} هذا جزاؤهم في الآخرة عطفه على جزائهم في الدنيا، فهم لا مأوى لهم يلجئون إليه هنالك إلا دار العذاب الكبرى، التي لا يموت من أوى إليها ولا يحيا، فهم يصيرون إليها معتولين، ويدعون إليها مقهورين، لا يأوون إليها مختارين، وبئس المصير هي
{ إنها ساءت مستقرا ومقاما } [الفرقان: 66].
{يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} هذا استئناف لبيان السبب المقتضي لجهادهم كالكفار، وهو أنهم أظهروا الكفر بالقول، وهموا بشر ما يغري به من الفعل، وهو الفتك برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أظهره الله على ذلك، وأنبأه بأنهم سينكرونه إذا سألهم عنه، ويحلفون على إنكارهم ليصدقوا كدأبهم الذي سبق
{ اتخذوا أيمانهم جنة } [المجادلة: 16] وكانوا يحلفون للمؤمنين ليرضوهم، وكانوا يخوضون في آيات الله، وفي رسوله بما هو استهزاء خرجوا به من حظيرة الإيمان الذي يدعونه إلى محظور الكفر الذي يكتمونه. وفي هذه الآية إسناد قول آخر من الكفر إليهم ينافي الإسلام الظاهر، فضلا عن الإيمان الباطن، والمعنى: يحلفون بالله أنهم ما قالوا تلك الكلمة التي أسندت إليهم، والله تعالى يكذبهم ويثبت بتأكيد القسم و " قد " أنهم قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم يذكر الكلمة التي نفوها وأثبتها ; لأنها لا ينبغي أن تذكر في نص الكتاب فيتعبد المسلمون بتلاوتها.
وقد اختلف رواة التفسير المأثور في تعيينها والقائلين لها، فعن ابن عباس وأنس وعروة أنها نزلت فيمن قال منهم: لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير، وفيه عدة روايات تقدم بعضها في الذين قالوا: {إنما كنا نخوض ونلعب}؟.
وأشهرها في كتب التفسير ما أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عروة أن رجلا من الأنصار يقال له الجلاس (بضم الجيم) بن سويد قال ليلة في غزوة تبوك: والله لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير، فسمعه غلام له يقال له عمير بن سعد - وكان ربيبه - فقال: أي عم تب إلى الله.
وجاء الغلام إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره، فأرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليه فجعل يحلف ويقول: والله ما قلت يا رسول الله، فقال الغلام: بلى والله لقد قلته فتب إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته.
فجاء الوحي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسكتوا فلا يتحركون إذا نزل الوحي، فرفع عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} إلى قوله: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} فقال: قد قلته وقد عرض الله علي التوبة فأنا أتوب، فقبل منه ذلك، وقتل له قتيل في الإسلام فوداه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأعطاه ديته فاستغنى بذلك، وكان هم أن يلحق بالمشركين وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للغلام: " وعت أذنك " وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين قال: لما نزل القرآن أخذ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأذن عمير فقال له: " يا غلام وعت أذنك وصدقك ربك " اهـ. وقد أشار الحافظ الذهبي إلى ضعف حديث جلاس هذا مع قوله: إنه كان من المنافقين وتاب، وروي أنه كان من المخلفين لم يحضر غزوة تبوك.
وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالسا في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه " فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم وأنزل الله: {يحلفون بالله ما قالوا} الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الغفاري على الجهني فقال عبد الله بن أبي للأوس: انصروا أخاكم، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، والله:
{ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } [المنافقون: 8] فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله فأنزل الله: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} الآية.
وأقول: إن قول عبد الله بن أبي هذا قد رواه الشيخان وغيرهما فأخرجه البخاري في تفسير سورة " المنافقون " وأنه كان في غزاة، وذكر الحافظ في شرحه عن محمد بن كعب عن زيد بن أرقم عند النسائي وعن سعيد بن جبير مرسلا عند عبد بن حميد بإسناد صحيح أنها غزوة تبوك وأن الذي عليه أهل المغازي أنها في غزوة بني المصطلق. وأن هذا القول كان سبب نزول سورة " المنافقون "، وليس فيه أن آية براءة التي نفسرها نزلت في ذلك.
وحديث البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله من طريقين أن الخصام الذي كان سبب قول ابن أبي (لعنه الله) ما قال كان بين مهاجري وأنصاري، وذكر الحافظ في شرحه رواية قتادة في ذلك، وفي المسألة روايات أخرى، ولا مانع من التعدد عقلا، وإن لم يصح نقلا. وابن أبي كان من المخلفين لم يخرج في غزوة تبوك كالجلاس.
{وهموا بما لم ينالوا} وهو اغتيال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العقبة منصرفه من تبوك. ذكر ابن القيم في هذه المسألة من " زاد المعاد " ما نصه:
ذكر أبو الأسود في مغازيه عن عروة قال:
"رجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قافلا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناس من المنافقين، فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر خبرهم فقال: من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم وأخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين هموا بالمكر برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة أن يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرجع ومعه محجن، واستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربا بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون ولا يشعر إلا أن ذلك فعل المسافر، فأرعبهم الله سبحانه حين أبصروا حذيفة، وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه فأسرعوا حتى خالطوا الناس.
وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار وراءها فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحذيفة: هل عرفت من هؤلاء الرهط أو الركب أحدا ؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا ؟ قالوا: لا والله يا رسول الله، قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها قالوا: أولا تأمر بهم يا رسول الله إذا فنضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولون: إن محمدا قد وضع يده في أصحابه فسماهم لهما وقال: اكتماهم "
.
وهذا السياق رواه البيهقي وغيره من هذه الطريق، وقد روى القصة ابن إسحاق في سيرته، وذكر أسماء أولئك الرهط بما أنكروا عليه بعضه، والصحيح في عدد هؤلاء المنافقين ما رواه مسلم من حديث عمار وحذيفة اللذين كانا مع راحلة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العقبة، وقد أخبرهما بأسمائهم وأمرهما بكتمانها فقد روى في صحيحه من حديث قيس بن عباد قال: قلنا لعمار: أرأيت قتالكم أرأيا رأيتموه فإن الرأي يخطئ ويصيب؟ أو عهدا عهده إليكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. وقال: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " إن في أمتي " - قال شعبة: وأحسبه قال: حدثني حذيفة، وقال غندر: أراه قال: "في أمتي اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة. سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم" .
وروى بعده من حديث أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال فقال له القوم أخبره إذ سألك. قال كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة (؟) قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى فقال: " إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد " فوجد قوما قد سبقوه فلعنهم يومئذ اهـ.
وقد ذكر الطبراني في مسند حذيفة أسماء أصحاب العقبة، وروى عن ابن عبد العزيز بن بكار أنه قال: هم معتب بن بشير، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي، والحارث بن سويد وسعد بن زرارة، وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بني الحبلى، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهروا الإسلام انتهى من تفسير ابن كثير، وإنما ذكرت عددهم وأسماءهم حتى لا يكون لخلفائهم من منافقي الروافض سبيل إلى تضليل عوام المسلمين، بما اعتادوا من الطعن في خير أصحاب النبيين والمرسلين.
{وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} نقم منه الشيء: أنكره وعابه كما في الأساس، وكذا عاقبه عليه وقال الراغب: نقمت الشيء إذا نكرته إما باللسان، وإما بالعقوبة. أي: وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام، وبعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيهم شيئا يقتضي الكراهة والكفر والهم بالانتقام إلا إغناء الله تعالى إياهم ورسوله من فضله تعالى بالغنائم التي هي عندهم غاية الغايات في هذه الحياة، وكانوا كسائر الأنصار من الفقراء فالإغناء من فضل الله ببعثة الرسول والنصر له، وما فيه من الغنائم كما وعده. وتقدم شرحه في تفسير آية:
{ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله } [التوبة: 59] كما تقدم في الكلام على قسمة غنائم حنين قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأنصار: " وكنتم عالة فأغناكم الله بي " .
والذين قالوا: إن الآية نزلت في الجلاس بن سويد حملوا الإغناء على الدية التي ذكرت في قصته، وهو ضعيف ; لأن الكلام في توبيخ المنافقين كافة، ولاسيما الذين هموا بما لم ينالوا، ولم يكن جلاس منهم، وغاية ما يقال فيها أنها تدخل في عموم الإغناء، فيحمل جلاس من توبيخها علاوة على ما يحمله سائر المنافقين، وقد تاب وأناب ـ رضي الله عنه ـ.
وهذا التعبير من نوع البديع الذي يسمونه المدح في معرض الذم، كقول الشاعر في كره ساسة الترك في الآستانة للعرب:

وما نقموا منا بني العرب خلة سوى أن خير الخلق لم يك أعجما

{فإن يتوبوا يك خيرا لهم} أي: فإن يتوبوا من النفاق، وما يصدر عنه من مساوئ الأقوال والأفعال يكن ذلك المتاب خيرا لهم في الدنيا والآخرة كما يدل عليه مقابله في الجملة التالية، أما في الدنيا فبما فيه من الفوائد الروحية والعلمية بالإيمان بالله، والتوكل عليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه والشكر لنعمائه، وعلو الهمة، والتوجه إلى سعادة الآخرة، ومعاشرة الرسول الأعظم، ومشاهدة ما حجبه النفاق عنهم من أنواره، ومعارفه وفضائله، ومن الفوائد الاجتماعية بأخوة المؤمنين، وما فيها من الود الخالص والوفاء الكامل، والإيثار على النفس، وغير ذلك من مزايا التعاون والاتحاد، والحب والإخلاص، التي قلما توجد أو تكمل في غير الإسلام - وأما في الآخرة فبما تقدم بيانه قريبا من وعد الله للمؤمنين.
{وإن يتولوا} عما دعوا إليه من التوبة بالإصرار على النفاق، ومساويه المدنسة للأرواح المفسدة للأخلاق: {يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة} أما في الدنيا فبمثل ما تقدم من قوله تعالى:
{ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } [التوبة: 55] وسيأتي مثله قريبا، وقوله بعده في وصف ما يلازم قلوبهم من الفرق: { لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون } [التوبة: 57] وفي معناه: { يحسبون كل صيحة عليهم } [المنافقون: 4] فهم في جزع دائم، وهم ملازم، وكذا ما ذكر آنفا في تفسير جهادهم، وما ترى في بقية الآية من حرمانهم من كل ولي ونصير في العالم، وما سيأتي من الآيات في هذه السورة من الشدة في معاملتهم - وأما في الآخرة فحسبك ما تقدم آنفا من وعيدهم.
{وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} أي وما لهم في الأرض كلها أدنى ولي يتولاهم ويهتم بشأنهم، ولا أضعف نصير ينصرهم ويدافع عنهم ; لأن من خذله الله وآذنه بحرب منه لا يقدر أحد أن يخيره منه، وأما ناحية الأسباب الدنيوية فأبوابها قد أغلقت في وجوههم، فإن الله تعالى حصر ولاية الأخوة والمودة وولاية النصر في المؤمنين والمؤمنات دون المنافقين والمنافقات فلن يجدوا بعد الآن أحدا من المسلمين يتولاهم أو ينصرهم بما يظهرون من الإسلام، وقد كان منهم ما كان، ولا من قبائلهم وأولي أرحامهم ; لأن الإسلام قد أبطل عصبية الأنساب - ولا من الغرباء بما كان يكون عند العرب من الجوار والحلف، فقد قضى الإسلام على الجاهلية وجوارها - ولا من أهل الكتاب أيضا ; فإن أحلافهم منهم قد قضي عليهم في الحجاز، بالقتل والجلاء، ولا سبيل لهم إلى غيرهم في شاسع الأمصار، على أن الله تعالى وعد المؤمنين بملك قيصر وكسرى وهكذا كان، وصدق ما أخبر الله به من انتقاء الأولياء والأنصار لهم في الأرض كلها، وهذا من نبأ الغيب الذي يكثر في القرآن، ولم يفطن جمهور المفسرين لجميع أفراده. هذا ما يخص حرمانهم من الأولياء والأنصار في الدنيا كلها - ومن المعلوم بالنصوص الأخرى أنه ليس للمنافقين ولا للكفار ولي ولا نصير في الآخرة، وإنما خص أمر الدنيا بالذكر هنا ; لأنه هو الذي يهم هؤلاء المنافقين دون الآخرة التي لا يوقنون بها.