التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ
٥٤
قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
٥٥
وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٦
وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
٥٧
وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
٥٨
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ
٥٩
فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ
٦٠
-يوسف

بحر العلوم

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى} يعني أجعله في خاصة نفسي. فلما خرج يوسف من السجن ودع أهل السجن ودعا لهم. وقال اللهم اعطف قلوب الصالحين عليهم ولا تستر الأخبار عنهم، فمن ثمة تقع الأخبار عند أهل السجن قبل أن تقع عند عامة الناس. ولما دخل يوسف على الملك وكان الملك يتكلم سبعين لساناً فأجابه يوسف بذلك كله. ثم تكلم يوسف بالعبرانية فلم يحسنها الملك. فقال ما هذا اللسان يا يوسف؟ قال هذا لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام - ثم كلمه بالعربية فلم يحسنها الملك. فقال ما هذا اللسان؟ فقال لسان عمي إسماعيل {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} أي قال له الملك، مكين في المنزلة أمين على ما وكلتك. {قَالَ} له يوسف - عليه السلام - {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأرْضِ} يعني على خراج مصر {إِنّى حَفِيظٌ} للتدبير. ويقال حفيظ بما وكلت به {عَلِيمٌ} بجميع الألسن ويقال عليم بأخذها ووضعها مواضعها. وإنما سأل ذلك صلاحاً للخلق لأنه علم أنه ليس أحد يقوم بإصلاح ذلك الأمر مثله. ويقال حفيظ. يعني عليماً بساعة الجوع. وكان الملك يأكل في كل يوم نصف النهار، فلما كانت الليلة التى قضى الله بالقحط أمر يوسف بأن يتخذ طعام الملك بالليل. فلما أصبح الملك قال الجوع الجوع فأتى بطعام مهييء. قال وما يدريكم بذلك؟ قالوا أمرنا بذلك يوسف. ففوض الملك أموره كلها إلى يوسف وهو قوله تعالى {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} يعني صنعنا ليوسف {فِى ٱلأَرْضِ} يعني أرض مصر {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا} يعني ينزل منها {حَيْثُ يَشَاءُ} قرأ إبن كثير (حَيْثُ نَشَاءُ) بالنون يعني حيث يشاء الله. وقرأ الباقون بالياء حيث يشاء يوسف. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ} نختص بنعمتنا، النبوة والإسلام والنجاة من نشاء {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} يعني: لا نبطل ثواب الموحدين حتى نوفيه جزاءه في الدنيا ومع ذلك له ثواب في الآخرة فذلك قوله تعالى {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} يعني ثواب الآخرة أفضل مما أعطي في الدنيا {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي صدقوا بوحدانية الله تعالى {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} الشرك. وروي في الخبر أن زوج زليخا مات وبقيت امرأته زليخا فجلست يوماً على الطريق فمر عليها يوسف في حشمه. فقالت زليخا الحمد لله الذي جعل العبد ملكاً بطاعته وجعل الملك مملوكاً بشهوته وتزوجها يوسف فوجدها عذراء وأخبرت أن زوجها كان عنيناً لم يصل إليها. ثم وقع القحط بالناس. حتى أكلوا جميع ما في أيديهم واحتاجوا إلى ما عند يوسف وقد كان يوسف جمع في وقت الخصب مقدار ما يكفي السنين المجدبة للأكل والبيع فجعل الناس يعطونه أموالهم، العروض والرقيق والعقار وغير ذلك ويأخذون منه الطعام. ووقع القحط بأرض كنعان، حتى أصاب آل يعقوب الحاجة إلى الطعام. فقال يعقوب لبنيه إنهم يزعمون أن بمصر ملكاً يبيع الطعام فخرج بنو يعقوب وهم عشرة نحو مصر حتى أتوا يوسف فدخلوا عليه وعليه زي الملك فلم يعرفوه وعرفهم يوسف وكلموه بالعبرانية فأرسل يوسف إلى الترجمان وهو يعلم لسانهم ولكنه أراد أن يشتبه عليهم فذلك قوله تعالى {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ} يعني عرف يوسف أنهم إخوته {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} يعني: لم يعرفوا أنه يوسف، لأنهم رأوه في حال الصغر، وكان يوسف على زي الملوك بخلاف ما كانوا رأوه في الصغر. روى أسباط عن السدي وغيره قال: استعمله الملك على مصر وكان صاحب أمره الذي يلي البيع والتجارة. فبعث يعقوب بنيه إلى مصر فلما دخلوا على يوسف عرفهم. فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما أمركم فإِني أنكر شأنكم. قالوا نحن قوم من أرض الشام قال فما جاءكم قالوا جئنا نمتار طعاماً قال كأنكم عيون. كم أنتم؟ قالوا عشرة قال أنتم عشرة آلاف كل رجل منكم أمير ألف. فأخبروني خبركم قالوا إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثني عشر فكان أبونا يحب أخاً لنا وهو هلك في الغنم ووجدنا قميصه ملطخاً بالدم فأتينا به أبانا فكان أحبنا إلى أبينا منا قال فإلى من سكن منكم أبوكم بعده؟ قالوا إلى أخ له أصغر منه. قال فكيف تخبروني أنه صديق، وهو يختار الصغير منكم دون الكبير وكيف تخبروني أنه هلك وبقي قميصه، فلو كان اللصوص قتلوه لأخذوا قميصه. ولو كان الذئب أكله لمزق قميصه. فأرى كلامكم متناقضاً. احبسوهم. ثم قال إن كنتم صادقين في مقالتكم فخلفوا عندي بعضكم واتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ} قالوا اختر أينا شئت فارتهن شمعون ثم أمر بوفاء كيلهم. فذلك قوله تعالى {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} يعني كال لهم كيلهم وأعطى كل واحد منهم حمل بعير ثم {قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} يعني: أفضل من يضيف ويكرم الذي نزل به {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ} أي بالأخ {فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى} فيما تستقبلون {وَلاَ تَقْرَبُونِ} يعني ولا تستقبلوا إلى مرة أُخرى فإِني لا أعطي لكم الطعام. قال الزجاج القراءة بالكسر. يعين بكسر النون وهو الوجه ويجوز ولا تقربونَ بفتح النون. لأنها نون الجماعة كما قال: { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [الحجر: 54] بفتح النون. قال: ويكون ولا تقربون لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي.