التفاسير

< >
عرض

وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ
٢١
وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢٢
-إبراهيم

بحر العلوم

قوله تعالى: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} يقول وخرجوا من قبورهم لأمر الله تعالى. يعني القادة والأتباع اجتمعوا للحشر والحساب. وهذا كقوله { وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } [الكهف: 47]. {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} يعني: الأتباع والسفلة {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} وهم القادة {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} في الدنيا نطيعكم فيما أمرتمونا به {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا} يقول: حاملون عنا {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُواْ} يعني القادة للسفلة {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} يعني: لو أكرمنا الله بالهدي والتوحيد لهديناكم لدينه. ويقال: معناه لو أدخلنا الله الجنة لشفعنا لكم. ثم قالت القادة للسفلة {سَوَاءٌ عَلَيْنَا} العذاب {أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} يعني: من مفر ولا ملجأ من العذاب. وروى أسباط عن السدي أنه قال: يقول أهل النار تعالوا فلنصبر لعل الله يرحمنا بصبرنا فيصبرون فلا يرحمون. فيقولون تعالوا فلنجزع لعل الله يرحمنا بجزعنا فيجزعون فلا يغني عنهم شيئاً فيقولون {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ} روى سفيان عن رجل عن الحسن أنه قال: إذا كان يوم القيامة ودخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة قام إِبليس خطيباً على منبر من نار فقال {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} الآية. ويقال إنهم لما دخلوا النار أقبلوا على إبليس وجعلوا يلومونه ويقولون أنت الذي أضللتنا فيرد عليهم. فبين الله تعالى رده عليهم لكيلا يغتروا به في الدنيا فذلك قوله {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ} يعني لما فرغ من الأمر حين دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فقال إبليس لأهل النار. {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} يعني: البعث بعد الموت أو الجنة والنار {وَوَعَدتُّكُمْ} بأنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب {فَأَخْلَفْتُكُمْ} فكذبتكم الوعد {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ} يعني لم يكن لي قدرة الإكراه والقهر. ويقال لم أكن ملكاً فقهرتكم على عبادتي ويقال: لم يكن لي حجة على ما قلت لكم {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} يعني: سوى أن دعوتكم إلى طاعتي {فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى} يعني أجبتم لي طوعاً ختياراً {فَلاَ تَلُومُونِى} بدعوتي إياكم {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} بالإجابة {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي: بمغيثكم فأخرجكم من النار {وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ} يقول: ولا أنتم مغيثي فتخرجونني من النار {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} قال الكلبي: فيه تقديم وتأخير. يقول إني كفرت من قبل (ما عذلتموني) وكنت كافراً قبل ذلك فليس لكم عندي صراخ ولا إجابة. وقال مقاتل معناه: إني تبرأت اليوم مما أشركتموني مع الله في طاعتي من قبل في الدنيا. وقال القتبي في قوله: إني كفرت وتبرأت كقوله في سورة الممتحنة { كَفَرْنَا بِكُمْ } [الممتحنة: 4] أي تبرأنا منكم وكقوله في العنكبوت { ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } [العنكبوت: 25] يعني: يتبرأ وهذا موافق لقوله تعالى: { وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ } [فاطر: 14]. ثم قال: {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني الكافرين لهم عذاب دائم. قرأ حمزة (بِمُصْرِخِيِّ) بكسر الياء وهي قراءة الأعمش. وقرأ الباقون بنصب الياء. قال أبو عبيدة: النصب أحسن والأول ما نراه إلا غلطاً. وهكذا قال الزجاج. ويقال: هي لغة لبعض العرب والنصب هي اللغة الظاهرة. قرأ أبو عمرو "أَشْرَكْتُمُونِي" بالياء عند الوصل. وقرأ الباقون بغير ياء.