التفاسير

< >
عرض

وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً
٥٨
وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً
٥٩
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً
٦٠
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً
٦١
-الإسراء

بحر العلوم

قوله: {وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} قال ابن عباس يعني نميت أهلها {أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا} يعني بالسيف والزلازل والأمراض والخوف والغرق والحرق {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا} أي: في الذكر الذي عند الله. وقال مجاهد: مهلكوها أي مبيدوها أو معذبوها بالقتل والبلاء، ما من قرية في الأرض إلا سيصيبها بعض ذلك. روى حماد بن سلمة عن أبي العلاء عن مكحول أنه قال: أول أرض تصير خراباً أرض أرمينة وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال أول أرض تصير خراباً أرض الشام وروى ابن سيرين عن ابن عمر أنه قال: البصرة أسرع الأرضين خراباً وأخبثهم تراباً، وروى عن عليّ أنه قال: أكثروا الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة خمش الساقين قاعداً عليها يهدمها حجراً حجراً. ثم قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ} وذلك أن قريشاً طلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بآية فنزل وما منعنا. أي: ليس أحد يمنعنا أن نرسل الآيات عندما سألوها {إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} يعني: تكذيب الأولين حين أتتهم الآيات فلم يؤمنوا بها، فأتاهم العذاب.
قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس بن السراج قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
"سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل الصفا لهم ذهباً وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعونها، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم لعلنا نتخير منهم ذرية. وإن شئت أن نريهم الذي سألوا. فإِن كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم. فقال: بل أستأني بهم" فنزل {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} ثم قال: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} أي: معاينة يبصرونها، ويقال: علامة لنبوته {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: جحدوا بها فعقروها فعذبوا. فقال الله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} لهم ليؤمنوا. فإِن أبوا أتاهم العذاب قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} قال الكلبي: أحاط علمه بالناس. ويقال: هم في قبضته أي: قادر عليهم. وقال قتادة: يعني: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالات الله تعالى. وقال السدي معناه: إن ربك مظهرك على الناس. ثم قال: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ} قال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد الدبيلي، قال: حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس قال هي رؤيا عين أريها النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به. {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءانِ} قال هي شجرة الزقوم. قال الكلبي: هي ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس فنشر له الأنبياء كلهم فصلى بهم. ثم صلى الغداة بمكة فكذبوه وهو قوله {فِتْنَةً لّلنَّاسِ} حين كذبوه. يعني أهل مكة. قال عكرمة أمَا إنَّهَا رؤيا يقظة ليست برؤيا منام. وقال سعيد بن المسيب أُرِي النبي - صلى الله عليه وسلم - بني أمية على المنابر فساءه ذلك فقيل له إنّما هي دنيا يعطونها فقر عينه فنزل: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ} يعني بني أمية ثم قال: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءانِ} يعني ذكر الشجرة الملعونة في القرآن فتنة لهم. يعني بلية لهم وذلك أن المشركين قالوا يخبرنا هذا أنَّ في النار شجرة. وكيف يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجرة فصار ذلك فتنة لهم يعني بلية لهم. ويقال لما نزل { إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ } [الدخان: 43، 44] قالوا فيما بينهم وما شجرة الزقوم. قالوا الثمر والزبد فرجع أبو جهل إلى منزله فقال لجاريته زقمينا وأمرها أن تأتي بالتمر والزبد فخرج به إلى الناس وقال كلوا فإِن محمداً يخوفكم بهذا فصار ذكر الشجرة فتنة لهم ثم قال {وَنُخَوّفُهُمْ} أي بذكر شجرة الزقوم {فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} يعني: تمادياً في المعصية. قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}، فتعظم عن السجود لآدم.