التفاسير

< >
عرض

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً
٦٢
قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً
٦٣
وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً
٦٤
-الإسراء

بحر العلوم

{قَالَ أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ} في الآية مضمر، معناه: فلعنه الله تعالى، قال إبليس: أرأيتك هذا الذي لعنتني لأجله وفضلته عليَّ {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} يعني: لئن أجلتني إلى يوم البعث. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع "أَخَّرْتَنِي" بالياء عند الوصل. وقرأ الباقون بغير ياء. لأن الكسرة تقوم مقامه. ثم قال: {لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ} أي: لأستزلن ذريته، يقول اطلب زلتهم. وقال القتبي: لاستأصلنهم. يقال احتنك الجراد ما على الأرض إذا أكله كله، ويقال: هو من حنك الدابة يحنكها حنكاً. إذا شد في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به. أي لأقودنهم حيث شئت {إِلاَّ قَلِيلاً} يعني: الأنبياء والمخلصين لله ويقال: إِلاَّ من عصمته مني {قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ} أي: من أطاعك {مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} يعني: نصيبكم من العذاب في النار {جَزَاءً مَّوفُورًا} أي: نصيباً وافراً. لا يفتر عنهم. قوله: {وَٱسْتَفْزِزْ} يقول: استزل {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} يقول: بدعائك ووسوستك ويقال: بأصوات الغناء والمزامير {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} يعني: استعن عليهم بأعوانك من مردة الشياطين (وَرَجِلِكَ) يعني: الشياطين الذين يوسوسون للناس، ويقال: خيل المشركين ورجالتهم، وكل خيل تسعى في معصية الله تعالى فهي من خيل إبليس وكل راجل يمشي في معصية الله فهو من رجالته. قرأ عاصم في رواية حفص "وَرَجِلَكَ" بفتح الراء وكسر الجيم يعني: راجلك فدل الواحد على الجنس. وقرأ الباقون بجزم الجيم، وهو جمع الراجل {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ} أي: ما أكل من الأموال بغير طاعة الله تعالى وما جمع من الحرام، ويقال: وشاركهم في الأموال وهو ما جعلوا من الحرث والأنعام نصيباً لآلهتهم، ويقال: كل طعام لم يذكر اسم الله عليه فللشيطان فيه شركة. قال الفقيه رضي الله عنه. حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان بن يحيى قال: حدثنا أبو مطيع عن الربيع بن زيد عن أبي محمد وهو رجل من أصحاب أنس قال: قال إبليس لربه: يا رب جعلت لبني آدم بيوتاً فما بيتي؟ قال الحمام، قال وجعلت لهم مجالس فما مجلسي؟ قال السوق، قال وجعلت لهم قرآناً فما قرآني؟ قال الشعر، قال وجعلت لهم حديثاً فما حديثي: قال: الكذب، قال: وجعلت لهم أذانا فما أذاني؟ قال المزمار، قال وجعلت لهم رسلاً فما رسلي؟ قال: الكهنة، قال: وجعلت لهم كتاباً فما كتابي؟ قال: الوشم، قال: وجعلت لهم طعاماً فما طعامي؟ قال: كل ما لم يذكر عليه اسم الله. قال: وجعلت لهم شراباً فما شرابي؟ قال: كل مسكر، قال: وجعلت لهم مصايد فما مصايدي؟ قال: النساء. ثم قال: {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ} يعني: كل نفقة في معصية الله تعالى {وَٱلأَوْلْـٰدِ} أي: أولاد الزنا فهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير ويقال: هو ما سموا أولادهم عبد العزى وعبد الحارث، ويقال: كل معصية بسبب الولد. ويقال إذا جامع الرجل أهله ولم يذكر اسم الله تعالى جامع معه الشيطان: ويقال: المرأة النائحة والسكرانة يجامعها الشيطان فيكون له شركة في الولد. قال الفقيه أبو الليث: هذا الكلام مجاز لا على وجه الحقيقة إنما يراد به المثل ثم قال: {وَعِدْهُمْ} أي: مَنِّهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} أي: باطلاً.