التفاسير

< >
عرض

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
٣٦
إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
٣٧
إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
٣٨
قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ
٣٩
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ
٤٠
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٤١
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
٤٢
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
٤٣
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ
٤٤
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
٤٥
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ
٤٦
فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ
٤٧
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ
٤٨
-المؤمنون

بحر العلوم

قوله عز وجل: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} قرأ أبو جعفر المدني هيهات هيهات كلاهما بكسر التاء قال أبو عبيد قراءتها بالنصب لأنه أظهر اللغتين وأفشاهما وقال بعضهم: قد قُرىء هذا الحرف بسبع قراءات بالكسر والنصب والرفع والتنوين وغير التنوين والسكون وهذه الكلمة يعبر بها عن البعد يعني: بعيداً بعيداً ومعناه أنهم قالوا هذا لا يكون أبداً يعني البعث {لِمَا تُوعَدُونَ} يعني: بَعِيداً بَعيداً لِمَا تُوْعَدُونَ {إِنْ هِىَ} يعني: ما هي {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} يعني: نحيا ونموت على وجه التقديم ويقال: معناه يموت الآباء وتعيش الأبناء {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} يعني: لا نبعث بعد الموت {إِنْ هُوَ} يعني ما هو {إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} أي: بمصدقين فلما كذبوه دعا عليهم {قَالَ رَبّ ٱنصُرْنِى} يعني: قال هود أعني عليهم بالعذاب {بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ} الله تعالى {عَمَّا قَلِيلٍ} يعني عن قريب وما صلة كقوله { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ } [آل عمران: 159] {لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ} يعني: ليصيرن نادمين فأخبر الله تعالى عن معاملة الذين كانوا من قبل مع أنبيائهم وسوء جزائهم وأذاهم لأنبيائهم ليصبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أذى قومه ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ} يعني: العذاب وهو الريح العقيم ويقال: وهي صيحة جبريل عليه السلام {فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَاءً} يعني: يابساً ويقال: هلكى كالغثاء وهو جمع غثاء وهو ما على السيل من الزبد لأنه يذهب ويتفرق وقال الزجاج: الغثاء البالي من ورق الشجر أي: جعلناه يبساً كيابس الغثاء ويقال: الغثاء النبات اليابس كقوله { فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ } [الأعلى: 5] ثم قال: {فَبُعْداً} يعني: سحقاً ونكساً {لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} يعني: بعداً من رحمة الله تعالى قوله عز وجل {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً} يعني: خلقنا من بعدهم قروناً {ءاخَرِينَ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} وفي الآية مضمر ومعناه فأهلكناهم بالعذاب في الدنيا ما تسبق من أمة يعني: ما يتقدم ولا تموت قبل أجلها طرفة عين {وَمَا يَسْتَأخِرُونَ} بعد أجلهم طرفة عين قوله عز وجل: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَاً} يعني: بعضها على إثر بعض قرأ ابن كثير وأبو عمرو (تترىً) بالتنوين وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء بغير تنوين وقرأ الباقون بنصب الراء وبغير تنوين وهو التواتر قال مقاتل: كلما في القرآن (تَتْراً وَمِدْرَاراً وَأَبَابِيلَ وَمُرْدِفِينَ يعني: بعضها على إثر بعض قال القتبي: أصل تترى وتراً فقلبت الواو تاءً كما قلبوها في التقوى والتخمة وأصلها وتراً والتخمة وأصلها ثم قال عز وجل {كُلَّمَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} بالهلاك الأول فالأول {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ} أي: أخباراً وعبراً لمن بعدهم ويقال فجعلناهم أحاديث لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم وقال الكلبي: ولو بقي واحد منهم لم يكونوا أحاديث {فَبُعْداً} لِلْهَالِكِ ويقال فسحقاً {لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} يعني لا يصدقون قوله عز وجل: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـئَايَـٰتِنَا} التسع {وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} يعني: بحجة بينة {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} أي: قومه {فَٱسْتَكْبَرُواْ} يعني: تعظموا عن الإيمان والطاعة {وَكَانُواْ قَوْماً عَـٰلِينَ} يعني متكبرين {فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ} يعني أنُصَدق {لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} يعني: خلقين آدميين {وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ} أي: مستهزئين ذليلين {فَكَذَّبُوهُمَا} يعني: موسى وهارون {فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ} يعني: صاروا مغرقين في البحر.