التفاسير

< >
عرض

وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ
٨٦
وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
٨٧
يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ
٨٨
إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
٨٩
-الشعراء

بحر العلوم

ثم قال: {وَٱغْفِرْ لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ} يعني: اهده إلى الحق من الضلالة والشرك يعني: إنه كان من المشركين في الحال كقوله عز وجل: { مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً } [مريم: 29] يعني من هو في الحال صبي ويقال إنه كان من الضالين حين فارقته كقوله: { وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ } [الكهف: 79] وهذا الاستغفار حين كان وعده بالإسلام وقال مقاتل: إن إبراهيم عليه السلام قد كذب ثلاث كذبات وأخطأ ثلاث خطيئات وابتلي بثلاث بليات وسقط سقطة فأما الكذبات فقال { إِنِّى سَقِيمٌ } [الصافات: 89] وقوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } [الأنبياء: 63] وقوله لسارة حين قال هي أختي والخطايا قوله للنجم والشمس والقمر { هَـٰذَا رَبِّى } [الأنعام: 78] وأما البليات حين قذف في النار والختان والأمر بذبح الولد وسقط سقطة حين دعا لأبيه وهو مشرك وقال غيره: لم يكذب ولم يخطىء ولم يسقط لأنه قال إني سقيم يعني: سأسقم لأن كل آدمي سيصيبه السقم وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا قد قرنه بالشرط وهو قوله { إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } [الأنبياء: 63] وقوله لسارة هي أخته فكانت أخته في الدين وقوله {هَـٰذَا رَبّى} كان على وجه الاسترشاد لا للتحقيق ويقال كان ذلك القول على سبيل الإنكار والزجر يعني أمثل هذا ربي وأما دعاؤه لأبيه فعن وعدة وعدها إياه وقد بين الله تعالى بقوله { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ } [التوبة: 114] الآية يعني أن أباه وعده أنه سيؤمن فما دام حياً يرجو أو يدعو وإذا مات ضالاً ترك الاستغفار ويقال: إن إبراهيم كان وعده أن يستغفر له حيث قال: { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ } [مريم: 47] فاستغفر له ليكون منجزاً لوعده ثم قال {وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ} يعني: لا تعذبني يوم يبعثون من قبورهم إلى ها هنا كلام إبراهيم وقد انقطع كلامه ثم إن الله تبارك وتعالى وصف ذلك اليوم: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} يعني: يوم القيامة لا ينفع المال الذي خلفوه في الدنيا وأما المال الذي أنفقوا في الخير فليس ينفعهم وَلاَ بَنُونَ يعني الكفار لأنهم كانوا يقولون { نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَٰلاً وَأَوْلَـٰداً } [سبأ: 35] فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في ذلك اليوم المال ولا البنون وأما المسلمون ينفعهم المال والبنون لأن المسلم إذا مات ابنه قبله يكون له ذخراً وأجراً في الجنة وإن تخلف بعده فإنه يذكره بصالح دعائه فينفعه ذلك ثم قال: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يعني: من جاء بقلب سليم يوم القيامة ينفعه المال والبنون ويقال: إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فذلك ينفعه والقلب السليم هو القلب المخلص وقال ابن عباس: يعني: بقلب خالص من الشرك وروى أبو أسامة بن عوف قال: قلت لابن سيرين ما القلب السليم قال أن تعلم أن الله عز وجل حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ويقال: سليم من اعتقاد الباطل ويقال: سليم من النفاق والهوى والبدعة وسئل أبو القاسم الحكيم عن القلب السليم فقال: له ثلاث علامات أولها أن لا يؤذي أحداً والثاني أن لا يتأذى من أحد والثالث إذا اصطنع مع أحد معروفاً لم يتوقع منه المكافأة فإذا هو لم يؤذ أحداً فقد جاء بالورع وإذا لم يتأذ من أحد فقد جاء بالوفاء وإذا لم يتوقع المكافأة بالاصطناع فقد جاء بالإخلاص.