التفاسير

< >
عرض

ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
٤٥
وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
٤٦
وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ فَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَافِرونَ
٤٧
وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ
٤٨
بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ
٤٩
وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
٥٠
-العنكبوت

بحر العلوم

قوله عز وجل: {ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ} يعني اقرأ عليهم ما أنزل إليك {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني من القرآن، ويقال: هو أمر بتلاوة القرآن يعني اقرؤوا القرآن واعملوا بما فيه {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} يعني وأتم الصلاة {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} يعني ما دام العبد يصلي لله عز وجل انتهى عن الفحشاء والمنكر والمعاصي، ويقال: وأقم الصلاة يعني وأدِّ الصلاة الفريضة في مواقيتها بركوعها وسجودها والتضرع بعدها إن الصلاة تنهى عن الفحشاء يعني إذا صلى العبد لله صلاة خاشع يمنعه من المعاصي لأنه يرق قلبه فلا يميل إلى المعاصي وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من لم تنهه صلاتة عن الفحشاء والمنكر لم تزده صلاته عند الله إلا مقتاً" وروي عن الحسن البصريرحمه الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال "من لم تنهه صلاته عن فحشاء ولا منكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً" وقال الحسن: إذا لم تنته بصلاتك عن الفحشاء فلست بمصلي ثم قال {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} يعني أفضل من سائر العبادات وروي عن الحسن البصريرحمه الله أنه قال قراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من صلاة لا يكون فيها كثير القراءة ثم قرأ هذه الآية {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} قال مقاتل: ولذكر الله إياك أفضل من ذكرك إياه بالصلاة وقال الكلبي يقول ذكره إياكم بالخير أكبر من ذكركم إياه والله يذكر من ذكره بالخير قال أبو الليثرحمه الله حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا الماسرجسي قال حدثنا إسحاق قال حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن ربيعة قال سألني ابن عباس عن قوله {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} فقلت هو التسبيح والتهليل والتقديس فقال: لقد قلت شيئاً عجيباً وإنما هو ذكر الله العباد أكثر من ذكر العباد إياه وقال قتادة: ولذكر الله أكبر أي ليس شيء أفضل من ذكر الله. وسئل سلمان الفارسي أي العمل أفضل قال ذكر الله ويقال ذكر الله أفضل من الاشتغال بغيره، ويقال: ذكر الله حين كتبكم في اللوح المحفوظ من المسلمين أفضل، ويقال ذكر الله عز وجل لك بالمغفرة أفضل من ذكرك إياه، وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال "من ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه ومن ذكره في ملأ ذكره الله عز وجل في ملأ أكبر من الملأ الذي ذكره فيهم وأطيب ومن تقرب من الله شبراً تقرب الله منه ذراعاً يعني بإجابته وتوفيقه ورحمته ومن تقرب إلى الله تعالى ذراعاً تقرب الله منه باعاً، ومن أتى الله ماشياً أتاه هرولة" يعني بإجابته وتوفيقه ثم قال تعالى {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} من الخير والشر فيجازيكم به قوله عز وجل {وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} قال مقاتل ولا تجادلوا أهل الكتاب البتة يعني مؤمنيهم ثم استثنى كفارهم فقال {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} إلا بالتي هي أحسن فيها تقديم ثم نسخته آية قتال أهل الكتاب وقال الكلبي ولا تجادلوا أهل الكتاب إن الله عز وجل أمر المسلمين إذ كانوا بمكة قبل أن يأمرهم بالقتال، فقال: "ولا تجادلوا من أتاكم من أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن بالقرآن تعظونهم به وتدعونهم إلى الإسلام وهي التي أحسن إلا الذين ظلموا منهم في الملاعنة وهم أهل نجران: ويقال: ولا تجادلوا أهل الكتاب يعني لا تخاصموهم إلا بالتي هي أحسن يعني إلا بالكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد إلا الذين ظلموا منهم يعني ولا الذين ظلموا منهم ويقال إلا الذين ظلموا منهم فلا بأس بأن تجادلوهم بما هو أشد ثم بين الكلمة التي هي أحسن فقال {وَقُولُواْ ءامَنَّا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} يعني القرآن والتوراة {وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ} يعني ربنا وربكم واحد {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يعني مخلصون بالتوحيد ثم قال عز وجل {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} يعني القرآن كما أنزلنا إلى موسى وعيسى عليهما السلام {فَٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} وهم مؤمنو أهل الكتاب {يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني يصدقون بالقرآن. {وَمِنْ هَـؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ} يعني قريشاً {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا} يعني بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن {إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ} من اليهود ومشركي العرب ثم قال عز وجل {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ} يعني من قبل القرآن {وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} أي لم تكن تكتب شيئاً بيدك {إِذاً لاَّرْتَـٰبَ ٱلْمُبْطِلُونَ} يعني فلو كنت قرأت الكتب أو كنت تكتب بيدك لشك أهل مكة في أمرك ويقولون إنه قرأ الكتب وأخذ منها ويقال معناه لارتاب المبطلون يعني لشك أهل الكتاب في أمرك لأنهم وجدوا في كتبهم نعته وصفته أنه أمي لا يقرأ الكتب كيلا يشكوا في صفته {بَلْ هُوَ ءايَـٰتٌ بَيّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} يعني بل هو يقين إنه نبي عند أهل العلم، ويقال يعني القرآن آيات بينات يعني واضحات ويقال بل إنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات لأنه أخبر عن أقاصيص الأولين في صدور الذين أوتوا العلم يعني مؤمني أهل الكتاب {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَا إِلاَّ ٱلظَّـٰلِمُونَ} يعني الكافرون قوله عز وجل {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَـٰتٌ مّن رَّبّهِ} أي علامة من ربه {قُلْ إِنَّمَا ٱلاْيَـٰتُ} يعني العلامات {عِندَ ٱللَّهِ} يعني من عند الله عز وجل وليس بيدي شيء {وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} يعني مخوفاً مفقهاً لكم أنبئكم بلغة تعرفونها قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص آيات بلفظ الجماعة يعني آيات القرآن والباقون آية يعني آية واحدة يعني أنه كان لا يكتب وكان له في ذلك آية بينة لنبوته ويجوز أن يكونا معناه الآيات للجنس.