التفاسير

< >
عرض

كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٨٦
أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
٨٧
خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ
٨٨
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٨٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ
٩٠
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٩١
-آل عمران

بحر العلوم

{كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} أي بعدما ظهر لهم العلامات {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} فإن قيل: في ظاهر الآية: أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالماً لا يهديه الله، وقد رأينا كثيراً من المرتدين، أسلموا وهداهم الله وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم. قيل له: لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يُقْبِلُون إلى الإسلام، فأما إذا جاهدوا وقصدوا الرجوع وفقهم الله لذلك لقوله: { وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [سورة العنكبوت: 69] وتأويل آخر: {كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ}، يقول كيف يرشدهم إلى الجنة كما قال في آية: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً. إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } [النساء: 168] ويقال: كيف يرحمهم الله وينجيهم من العقوبة. ويقال: كيف يغفر الله لهم. وقالت المعتزلة: "كَيْفَ يَهْدِي الله" معناه، كيف يكونون مهتدين لأنهم لا يرون الهداية والإهتداء في الإبتداء، إلا على سبيل الجزاء ويرون ذلك من كسب العبد. ثم قال: {أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ} يعني أهل هذه الصفة التي ذكر {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ} أي سخط الله، ويقال: الطرد والتبعيد من رحمة الله والخذلان، ويقال: يلعنهم بالقول {وَٱلْمَلاَئِكَةُ} يعني عليهم لعنة الله والملائكة {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} إذا لعن رجل رجلاً، فإن لم يكن أَهْلاً لذلك رجعت اللعنة إلى الكفار. ويقال: من لم يكن على دينهم، يلعنهم في الدنيا، ومن كان على دينهم يلعنهم في الآخرة لقوله تعالى: { يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } [سورة العنكبوت: 25] فذلك قوله تعالى: {وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. ثم قال تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} يعني في اللعنة. فيما توجبه اللعنة، وهو عذاب النار خالدين فيها {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي لا يهون عليهم العذاب {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي لا يؤجلون، ثم استثنى التوبة فقال تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} يقول: من بعد الكفر، وأصلحوا أعمالهم بالتوبة. ويقال: أصلحوا لمن أفسدوا من الناس {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لما كان منهم في الكفر رحيم بهم بعد التوبة. قال الكلبي ومقاتل: لما نزلت هذه الآية أي الرخصة بالتوبة، كتب أخو الحارث بن سُوَيْد إلى الحارث: إن الله قد عرض عليكم التوبة، فرجع وتاب، وبلغ ذلك إلى أصحابه الذين بمكة، فقالوا: إن محمداً تتربص به ريب المنون، فقالوا: نقيم بمكة على الكفر متى بدا لنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في "الحارث" فتقبل توبتنا فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا} أي ثبتوا على كفرهم بقولهم: نقيم بمكة ما بدا لنا {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} ما أقاموا على الكفر. قال الزجاج: كانوا كلما نزلت آية كفروا بها، فكان ذلك زيادة كفرهم، وقوله: {[لَّن] تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [أي توبتهم] الأولى، وحبط أجر عملهم. ويقال: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} معناه: إنهم [لن] يتوبوا كما [قال الساعة] { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ } [سورة البقرة: 48]، أي لا يشفع (لها) أحد، ثم قال تعالى: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ} عن الإسلام، وهم الذين لم يتوبوا. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْء ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} قال الكلبي: يعني وزن الأرض ذهباً. وقال مقاتل: إن الكافر إذا عاين النار [في الآخرة] يتمنى أن يكون له الأرض ذهباً فيقدر على أن (يفتدي) به نفسه من العذاب [لافتدى به، ولو افتدى به] "ما تقبل منه" {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ونظيرها في سورة المائدة { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ } [المائدة: 36]. قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ} الآية.