التفاسير

< >
عرض

إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
٥٣
فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٥٤
إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ
٥٥
هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ
٥٦
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ
٥٧
سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ
٥٨
-يس

بحر العلوم

قال عز وجل: {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} قال الكلبي يعني في الآخرة، وقال مقاتل في بيت المقدس "لحسابهم" ثم قال: {فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} يعني: يوم القيامة لا تنقص نفس مؤمنة ولا كافرة من أعمالهم شيئاً {وَلاَ تُجْزَوْنَ} يعني: ولا تثابون {إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من خير أو شر ثم قال: {إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ} يعني: يوم القيامة في شغل مما هم فيه أي عن الذي هم فيه فاكهون يعني ناعمين، قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو (في شغل) بجزم الغين وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان، يقال شغْل وشغُل مثل عُذْر وعذُر وعمْر وعمر، قرأ أبو جعفر المدني (فكهون) بغير ألف. وقراءة العامة (فاكهون) بالألف فمن قرأ بغير ألف يعني: يتفكهون، قال أبو عبيد يقال للرجل إذا كان يتفكه بالطعام أو بالشراب، أو بالفاكهة، أو بأعراض الناس إن فلاناً يتفكه، ومنه يقال للمزاحة فكاهة، ومن قرأ بالألف يعني ذوي فاكهة وقال الفراء: فاكهة، وفكهة لغتان، كما يقال حذر وحاذر، وروي في التفسير {فَـٰكِهُونَ} يعني ناعمون، وفكهون: معجبون، وقال الكلبي ومقاتل في قوله: {إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ} الآية، يعني شغلوا بالنعيم في افتضاض لأبكار العذارى عن أهل النار فلا يذكرونهم، يعني معجبين بما هم فيه من النعم والكرامة، قال الفقيه أبو الليثرحمه الله : حدّثنا محمد بن الفضل بإسناده عن عكرمة في قوله {فِى شُغُلٍ فَـٰكِهُونَ} قال في افتضاض الأبكار وروى زيد بن أرقم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الرجل ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع، فقال رجل من أهل الكتاب إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال الرسول: يفيض من جسد أحدهم عرق مثل المسك الأذفر فيضمر بذلك بطنه" ثم قال تعالى: {هُمْ وَأَزْوٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ} قرأ حمزة والكسائي (فِي ظُللٍ) وقرأ الباقون (فِي ظِلَـٰلٍ)، فمن قرأ (فِي ظُلَلٍ) فهو جمع الظلة، يقال ظلة وظلل، مثل حلة وحلل، ومن قرأ بكسر الظاء فهو جمع الظل، يعني هم في ظلال العرش والشجر، ويقال معنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد، يعني إن أهل الجنة هم وأزواجهم الحور العين في القصور {عَلَى ٱلأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} يعني: على السرر عليها الحجال، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الأرائك سرر في الحجال وقال الكلبي: لا تكون أريكة إلا إذا اجتمعتا، فإذا تفرقا فليست بأريكة {مُتَّكِئُونَ} أي ناعمون، وإنما سمي هذا لأن الناعم يكون متكئاً، ثم قال: {لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ} يعني: لهم في الجنة من أنواع الفاكهة {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} يعني: ما يتمنون مما يشتهوا من الخير {سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} يعني: يرسل إليهم ربهم بالتحية والسلام، والعرب تقول: ادّعي ما شئت يدعون: يتمنون فقوله عز وجل: "سلام قولا" يعني: يقال لهم سلام، كأنهم يتلقونه بالسلام من رب رحيم، ويقال {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ سَلَـٰمٌ} يعني: لهم ما يشاؤون خالصاً، ثم قال: {قَوْلاً مّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}.