التفاسير

< >
عرض

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٢٦
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً
٢٧
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً
٢٨
يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً
٢٩
وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
٣٠
إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً
٣١
-النساء

بحر العلوم

{يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي يبين لكم أن الصبر خير لكم من نكاح الإماء. ويقال: يبين لكم إباحة نكاح الأمة عند العذر. ثم قال تعالى: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي شرائع الذين من قبلكم بأنه لم يحل لهم تزوج الإماء وقد أحل لكم ذلك. وقال مقاتل: يريد الله ليبين لكم حكم حلاله وحرامه من النساء، ويهديكم أي يبين لكم شرائع من كان قبلكم {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي يتجاوز عنكم ما كان منكم قبل التحريم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بمن فعله منكم بعد التحريم {حَكِيمٌ} فيما نهاكم عن نكاح الاماء إن لم يجد طولاً، والنهي نهي استحباب لا نهي وجوب. ويقال: إن هذا ابتداء القصة، يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته، {وَيَهْدِيَكُمْ} يعني يعرفكم سنن الذين من قبلكم، يعني أنهم لما تركوا أمري فكيف عاقبتهم، وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم، ولكني أتوب عليكم (والله عليم بمن تاب) (حكيم) حكم بقبول التوبة. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي يتجاوز عنكم ما كان منكم من قبل التحريم. ويقال: يتجاوز عنكم الزلل والخطايا. {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} يعني اليهود والنصارى، ويقال المجوس. {أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} يعني أن تخطئوا خطأ عظيماً، لأن بعض الكفار كانوا يجيزون نكاح الأخت من الأب، وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرم الله تعالى ذلك قالوا للمسلمين: إنكم تنكحون ابنة الخالة والعمة فأنزل الله تعالى هذه الآية. ويقال: ويريدون الذين يتبعون الشهوات. ويقال: إن اليهود يريدون أن يقفوا منكم على الزلل والخطايا، يعني أن الله تعالى قد بين لكم لكي لا يقفوا منكم على الزلل والخطايا. ثم قال تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} يقول: يهون عليكم الأمر إذ رخص لكم في نكاح [الإماء] {وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً} أي لا يصبر على النكاح وقال الضحاك: يخفف عنكم أي يريد أن يضع عنكم أوزاركم ويضع عنكم آثامكم. قوله تعالى: {ضَعِيفاً يَـا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ} يعني بالظلم، باليمين الكاذبة، ليقطع بها [مال أخيه ثم استثنى ما استفضل الرجل من] مال أخيه في تجارته أنه لا بأس به فقال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ}. ويقال: إلا ما كان بينهما تجارة، وهو أن يكون مضارباً له، فله أن يأكل من مال المضاربة إذا خرج إلى السفر. ويقال: إلا ما يأكل الرجل شيئاً عند اشترائه ليذوقه. قرأ حمزة والكسائي وعاصم: (تجارة) بنصب الهاء على معنى خبر تكون. وقرأ الباقون بالضم على معنى الإسم. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} أي لا يقتل بعضكم بعضاً، فإنكم أهل دين واحد. ويقال {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}، يعني أن يوجب الرجل على نفسه [قتل نفسه فإيجابه] باطل. وقال القتبي: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ} يعني لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، ولا يقتل بعضكم بعضاً، كقوله: { وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ } [سورة الحجرات: 11] أي لا تعيبوا إخوانكم. ويقال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} أي لا تقتلوها بالكسل والبخل. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} إذ نهى عن القتل، وعن أخذ الأموال. قوله تعالى {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً} يعني اعتداء. ويقال: مستحلاً {وَظُلْماً} أي وجوراً {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} هذا وعيد لهم من الله تعالى، يعني يدخله في الآخرة النار {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي عذابه هين عليه. قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ}. قال مقاتل: يعني ما نهي عنه من أول هذه السورة إلى هذه الآية. وقال في رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه - {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ}. الكبائر: كل شيء سمى الله تعالى فيه النار لمن عمل بها، أو شيء نزل فيه حد في الدنيا، فمن اجتنب من هذا وهو مؤمن، كفر الله عنه ما سواه من الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، وشهر رمضان إلى شهر رمضان إن شاء الله تعالى. قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحاك، عن مسروق عن ابن مسعود، قال: الكبائر من أول السورة إلى قوله: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ}. وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر أربعة: الإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن مكر الله، والشرك بالله. وروى عامر الشعبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس" . وقال ابن عمر: الكبائر تسعة: الشرك بالله، وقتل المؤمن متعمداً، والفرار من الزحف وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والسحر، وعقوق الوالدين]، واستحلال حرمة البيت الحرام. ويقال: الكبيرة ما أصر عليها صاحبها. ويقال لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. ثم قال تعالى: {نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ} يقول: نمحو عنكم ذنوبكم ما دون الكبائر {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} في الآخرة، وهي الجنة. قرأ نافع مدخلاً بنصب الميم، والباقون: بالضم، فمن قرأ بالنصب فهو إسم الموضع، وهو الجنة، ومن قرأ بالضم فهو المصدر والموضع جميعاً.