التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٣٢
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً
٣٣
ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً
٣٤
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً
٣٥
-النساء

بحر العلوم

{وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. قال ابن عباس: يعني لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته ولا دابته ولكن، ليقل اللهم ارزقني مثله، وقال الكلبي: مثله. وفيها وجه آخر: وهو أن الرجال قالوا: إن الله فضلنا على النساء، فلنا سهمان ولهن سهم، ونرجوا أن يكون لنا أجران في الأعمال. وقالت أم سلمة: ليت الجهاد كتب على النساء، فنزلت هذه الآية {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} ويقال: إن النساء قلن كما نقص سهمنا في الميراث، كذلك ينقص من أوزارنا، ويكون الإثم علينا أقل من الرجال، فنزلت الآية: {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} ولا يتمنى أحدكم أكثر مما عمل، {وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ} من الشر ولا ينقص منهن شيء مما عملن من الإثم. {وَسْئَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} جميعاً الرجال والنساء {مِن فَضْلِهِ} أي من رزقه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً} فيما يصلح لكل واحد منهم من السهام وبمن يصلح للجهاد. قرأ ابن كثير والكسائي: (وسلوا الله) بغير همز في جميع القرآن، وقرأ الباقون، (واسألوا الله) بالهمز، وأصله الهمز، إلا أنه حذف الهمز للتخفيف. قوله تعالى: {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} أي بينا موالي: يعني الورثة من الولد والإخوة وابن العم. ويقال: الموالي العصبة، العم وابن العم وذوي القربى، كقوله: { وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَآئِي } [مريم: 5] معناه ولكل واحد منكم جعلنا الورثة لكي يرث {مّمَّا تَرَكَ} وهم {ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ}. ثم قال: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}. قال الكلبي ومقاتل: كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون في ميراثه كبعض ولده ثم قال: {فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي أعطوهم حظهم الذي سميتم لهم من الميراث، هكذا قال مجاهد. ثم نسخ بقوله تعالى: { وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } [الأنفال: 75] ويقال: إنهم كانوا يوصون لهم بشيء من المال فأمرهم بأن يؤتوا نصيبهم من الثلث. ويقال: أراد به مولى الموالاة، كانوا يرثون السدس. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي شاهد إن أعطيتموهم أو لم تعطوهم. قرأ أهل الكوفة: حمزة والكسائي وعاصم، والذين (عقدت أيمانكم) بغير ألف، والباقون: بالألف، قال أبو عبيدة والإختيار، (عاقدت) بالألف لأنه من معاقدة الحلف فلا يكون إلا بين اثنين ومن قرأ (عقدت) معناه عقدت لهم أيمانكم، فأضمر فيها لهم. ثم قال: {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء}. نزل في سعد بن الربيع لطم امرأته بنت محمد بن مسلمة، فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقصاص، فنزل جبريل من ساعته بهذه الآية {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاءِ} يعني مسلطون في أمور النساء وتأديبهم {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} وذلك أن الرجل له الفضل على امرأته في إنفاقه عليها [ودفع الحق إليها] ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام عليهن بما لهم من زيادة عقل ليس ذلك للنساء. ويقال: للرجال، زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك. ثم قال: {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ} أي فضلوا على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة. ثم قال: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ} يعني المحصنات من النساء في الدين قانتات مطيعات لله تعالى ولأزواجهن. ويقال: الصالحات يعني المحسنات إلى أزواجهن من النساء في الدين {قَـٰنِتَـٰتٍ} أي [مطيعات لله ولأزواجهن] ويقال: الصالحات، يعني الموحدات {قَـٰنِتَـٰتٍ} يعني قائمات بأمور أزواجهن {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ} أي لغيب أزواجهن في فروجهن، وفي أموال الأزواج {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} يقول أي: يحفظ الله إياهن. قال مقاتل: (وما) صلة يعني يحفظ الله لهن، ثم قال عز وجل: {وَٱللَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} أي تعلمون عصيانهن {فَعِظُوهُنَّ} بالله، أي يقول لها: اتق الله فإن حق الزوج عليك واجب، فإن لم تقبل ذلك قوله تعالى: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} قال الكلبي: أي ينسها وهو الهجر. ويقال: لا يقرب فراشها، لأن الزوج إذا أعرض عن فراشها، فإن كانت محبة للزوج يشق عليها، فترجع إلى الصلاح، وإن كانت مبغضة فتظهر السرور فيها، فيتبين أن النشوز من قبلها. وقال الضحاك: واهجروهن في المضاجع، أي يعرض عنها، فإن ذلك يغيظها فإن لم ينفعها ذلك. {وَٱضْرِبُوهُنَّ} يعني ضرباً غير مبرح، {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} يقول: لا تطلبوا عليهن عللاً، ولا تكلفوهن الحب لكم، فإن الحب أمر القلب، وليس لها ذلك بيدها {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} أي رفيعاً علا فوق كل كبير، فلا يطلب من عباده الحب، ولا يكلفهم ما لا يطيقونه، ويطلب منهم الطاعة، فأنتم أيضاً لا تكلفوهن. ويقال: إن الله مع علوه يتجاوز عن عباده، فأنتم أيضاً تجاوزوا ولا تطلبوا العلل. ثم قال تعالى للأولياء: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} يقول: إن علمتم خلافاً بين الزوجين، ويقال: إن خفتم الفراق بينهما، ولا تدرون من أيهما يقع النشوز فقوله: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا} يعني رجلاً عدلاً من أهل الزوج له عقل وتمييز، يذهب إلى الرجل ويخلو به، ويقول له: أخبرني [ما] في نفسك، أتهواها أم لا؟ حتى أعلم بمرادك، فإن قال: لا حاجة لي بها، خذ مني لها ما استطعت، وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله جاء النشوز، وإن قال: فإني أهواها [فارضيها] من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعرف أنه ليس بناشز. ويخلو ولي المرأة بها، ويقول: أتهوين زوجك أم لا؟ فإن قالت: فرق بيني وبينه، واعطه من مالي ما أراد، علم أن النشوز من قبلها. وإن قالت: لا تفرق بيننا ولكن حثه حتى يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة، والزجر والنهي، وذلك قوله تعالى {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا} {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً} يعني عدلاً، فينظران في أمرهما بالنصيحة والموعظة {يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا} بالصلاح، ويقال: كل اثنين يقومان في الإصلاح بين اثنين بالنصيحة يقع الصلح بينهما لقوله تعالى: {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا}. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} أي عليماً بهما خبيراً بنصيحتهما. وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما يقول الخوارج، إنه ليس الحكم لأحد سوى الله تعالى، فهذه كلمة حق، ولكن يريدون بها الباطل.