التفاسير

< >
عرض

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً
٨٥
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً
٨٦
ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً
٨٧
-النساء

بحر العلوم

قوله تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا}. قال الضحاك: يعني من سن سنة حسنة في الإسلام فله أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء. {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} أي من سنّ في الإسلام سنة قبيحة محدثة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. وقال الكلبي: {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً} يعني يصلح بين اثنين يكن له أجر منها {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً} يمشي بالنميمة والغيبة، {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} يعني إثم منها. وقال مجاهد: إنما هي شفاعة في الناس بعضهم لبعض، يعني يشفع لأخيه [المسلم] في دفع المظلمة عنه. وروى سفيان، عن عمرو بن دينار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اشفعوا إلي تؤجروا، فإن الرجل منكم يسألني الأمر فأمنعه كي ما تشفعوا فتؤجروا" . وقال الحسن: الشفاعة تجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها، والكفل في اللغة النصيب، كقوله تعالى: { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } [الحديد: 28]. ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} والمقيت: المقتدر، يقال: أقات على الشيء، يعني اقتدر، ويقال: المقيت: الشاهد على الشيء الحافظ له، ويقال: مقيتاً، يعني: بيده الرزق وعليه قوت كل دابة، كقوله تعالى: { وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا } [فصلت: 10]. قوله تعالى: {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ} يعني إذا سلم عليكم {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا} أي ردوا جوابها، بأحسن منها {أَوْ رُدُّوهَا} أي مثلها، فأمر الله تعالى المسلمين برد السلام، بأن يردوا بأحسن منها، وهو أن يقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أو يرد مثله، فيقول: وعليكم السلام. وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها لأهل الذمة. فيقول لهم: وعليكم. وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أن رجلاً دخل عليه، وقال: السلام عليكم، فقال له وعليكم السلام فلك عشر حسنات، ودخل آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فقال: لك عشرون حسنة. ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فقال: لك ثلاثون حسنة" . وروي عنه أنه نهى أن ينقص الرجل من سلامه، أو من رده، وهو أن يقول: السلام عليك، ولكن ليقل: السلام عليكم. ويقال: إنما ذلك للمؤمنين، لأن المؤمن، لا يكون وحده ولكن يكون معه الملائكة. وفي هذه الآية دليل: أن السلام سنة، والرد واجب، لأن الله تعالى أمر بالرد، والأمر من الله تعالى واجب. ويقال {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} يعني إذا أهدي إليكم بهدية، فكافئوا بأفضل منها أو مثلها، وهذا التأويل ذكر عن أبي حنيفة. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً} أي مجازياً. قوله تعالى: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} نزلت في شأن الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} وهذه لام القسم، وكل لام بعدها نون مشددة، فهي لام القسم. وقوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} قال بعضهم: إلى صلة في الكلام، معناه ليجمعنكم يوم القيامة. ويقال: ليجمعنكم في الموت، وفي قبوركم إلى يوم القيامة، ثم يبعثكم {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه، وهو البعث، يعني لا شك فيه عند المؤمنين، ويقال: يعني لا ينبغي أن يشك فيه، ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} أي من أوفى من الله قولاً وعهداً. قرأ حمزة والكسائي: (ومن أزدق) بالزاي. وقرأ الباقون: (أصدق) وأصله الصاد، إلا أنه لقرب مخرجيهما يجعل مكانه زاي.