التفاسير

< >
عرض

أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ
٢٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ
٢٥
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
٢٦
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ
٢٧
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ
٢٨
أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ
٢٩
وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ
٣٠
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ
٣١
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ
٣٢
-محمد

بحر العلوم

قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} يعني: أفلا يسمعون القرآن ويعتبرون به، ويتفكرون فيما أنزل الله تعالى فيه من وعد ووعيد، وكثرة عجائبه، حتى يعلموا أنه من الله تعالى وتقدس {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} يعني: بل على قلوب أقفالها، يعني: أقفل على قلوبهم ومعناه أن أعمالهم لغير الله ختم على قلوبهم قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ} يعني: رجعوا إلى الشرك {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى} يعني: من بعد ما ظهر لهم الإسلام، قال قتادة {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ} وهم أهل الكتاب عرفوا نعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكفروا به، ويقال نزلت في المرتدين ثم قال عز وجل: {ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ} يعني: زين لهم ترك الهدى، وزين لهم الضلالة {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ذٰلِكَ} قرأ أبو عمرو: {وَأُمْلِىَ} بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، والباقون {وَأَمْلَى} بنصب اللام والألف، يعني: أمهل الله لهم فلم يعاقبهم حين كذبوا محمداً - صلى الله عليه وسلم -، ويقال زين لهم الشيطان وأملى لهم الشيطان يعني: خيل لهم تطويل المدة والبقاء، وقرأ يعقوب الحضرمي (وَأُمْلِي) بضم الألف وكسر اللام وسكون الياء، ومعناه أنا أملي يعني: أطول لهم المدة، كما قال: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} ثم قال ذلك يعني: اللعن والصمم والعمى والتزين والإملاء {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ} وهم المنافقون قالوا ليهود بني قريظة والنضير، وهم الذين كرهوا ما نزل الله، يعني تركوا الإيمان بما أنزل الله من القرآن {سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلأَمْرِ} يعني: سنغنيكم في بعض الأمر {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} فيما قالوا فيما بينهم قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص (إِسْرَارَهُم) بكسر الألف، والباقون بالنصب فمن قرأ بالنصب فهو جمع السر، ومن قرأ بالكسر فهو مصدر أسررت إسراراً، ويقال: سر وأسرار، ثم خوفهم فقال الله تعالى {فَكَيْفَ} يعني: كيف يصنعون {إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} يعني: تقبض أرواحهم الملائكة، ملك الموت وأعوانه {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ} يعني: عند قبض الأرواح، ويقال يعني يوم القيامة في النار {ذٰلِكَ} أي ذلك الضرب الذي نزل بهم عند الموت وفي النار {بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ ٱللَّهَ} يعني: اتبعوا الكفر، وتكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم - {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ} يعني: عملوا بما لم يرض الله به، وتركوا العمل بما يرضي الله تعالى {فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ} يعني: أبطل ثواب أعمالهم قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعني: أيظن أهل النفاق والشك {أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ} يعني: لم يظهر الله نفاقهم، ويقال: يعني الغش الذي في قلوبهم للمؤمنين وعداوتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - {وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَـٰكَهُمْ} يعني: لعرفتك المنافقين وأعلمتك {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ} يعني: بعلاماتهم الخبيثة، ويقال: {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ} إذا رأيتهم، ويقال: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة فلعرفتهم بسيماهم، يعني: حتى عرفتهم {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} يعني: ستعرفهم يا محمد بعد هذا اليوم في لحن القول يعني في محاورة الكلام، ويقال {فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} يعني: كذبهم إذا تكلموا، فلم يخفَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية منافق عنده إلا عرفه بكلامه ثم قال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ} يعني: لم يخف عليه أعمالكم قبل أن تعملوها فكيف يخفى عليه إذا عملتموها {وَلَنَبْلُوَنَّكُم} يعني لنختبرنكم عند القتال {حَتَّىٰ نَعْلَمَ} أي نميز {ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ} يعني: صبر الصابرين عند القتال {وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ} يعني: نختبر أعمالكم، ويقال: أسراركم، قرأ عاصم في رواية أبي بكر {وَلَيَبْلُونَّكُم حَتَّى يَعْلَمَ وَيَبْلُوَا} الثلاثة كلها بالياء، يعني: يختبركم الله والباقون الثلاثة كلها بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه قوله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: جحدوا {وَصُدُّواْ} يعني: صرفوا الناس عن دين الإسلام {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} قال مقاتل: يعني: اليهود، وقال الكلبي: يعني رؤساء قريش حيث شاقوا أهل التوحيد {وَشَاقُّواْ ٱلرَّسُولَ} يعني: عادوا الله تعالى ورسوله، وخالفوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدين {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى} يعني: الإسلام وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه الحق {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} يعني: لن ينقصوا الله من ملكه شيئاً، بكفرهم، بل يضروا بأنفسهم {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ} يعني: يبطل ثواب أعمالهم التي عملوا في الدنيا فلا يقبلها منهم.