التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
١
يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣
-المائدة

بحر العلوم

قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فهذا نداء المدح، والنداء في القرآن على سبع مراتب: نداء المدح: مثل قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ } [ الأنفال: 64 وغيرها] {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} { يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ } [المؤمنون: 51]. ونداء الذم مثل قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [التحريم: 7] { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ } [الجمعة: 6]. ونداء التنبيه، مثل قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ } [الانفطار: 6 وغيرها]. ونداء الإضافة، مثل قوله { يَا عِبَادِي } [الزمر: 53]. ونداء النسبة: مثل قوله: { يَابَنِيۤ ءَادَمَ } [الأعراف: 26] { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ } [البقرة: 40 وغيرها]. ونداء الاسم: مثل قوله: { يَٰإِبْرَٰهِيمُ } [هود: 76 وغيرها] { يٰدَاوُودُ } [ص: 26]. ونداء التعبير، مثل قوله: { يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ } ِ} [المائدة: 19]. فها هنا نداء المدح: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} وهو من جوامع الكلم لأنه قال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} يعني صدقوا، ولم يقل بأي شيء صدقوا، معناه الذين صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن وصدقوا بجميع الرسل، وبالبعث والحساب والجنة والنار. وقال عبد الله بن مسعود كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله القرآن، فإذا سمعت الله يقول: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فارعها سمعك، فإنه خير مأمور به، أو شر منهي عنه. ويقال: جميع ما في القرآن: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} نزل بالمدينة وكل ما يقال في القرآن: {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} نزل أكثره بمكة، وقد قيل نزل بالمدينة أيضاً ويقال: كل ما في القرآن {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} ذكر في مقابله في الإنجيل: (يا أيها المساكين). ثم قال: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} يعني أتموا الفرائض التي ذكر الله تعالى في القرآن، وعقد على عباده ما أحل لهم وحرم عليهم، أن يوفوا بها. وقال مقاتل: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} يعني بالعهود التي بينكم وبين المشركين، ويقال: جميع العقود التي بينه وبين الناس، والتي بينه وبين الله تعالى، وهذا من جوامع الكلم، لأنه اجتمع فيه ثلاثة أنواع من العقود: أحدها: العقود التي عقد الله تعالى على عباده، من الأوامر والنواهي. والنوع الثاني: العقود التي يعقدها الإنسان بينه وبين الله تعالى من النذور والأيمان وغير ذلك. والنوع الثالث: العقود التي بينه وبين الناس: مثل البيوع والإجارات وغير ذلك، فوجب الوفاء بهذه العقود كلها. ثم قال: {أُحِلَّتْ لَكُمْ} يعني رخصت لكم {بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} والأنعام تشتمل على الإبل والبقر والغنم والوحش، دليله على قوله تعالى { وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } [الأنعام: 142] ثم قال: { ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } [الأنعام: 143 وغيرها]، وأما البهيمة فهي كل حي لا يتميز، وإنما قيل لها بهيمة لأنها أبهمت من أن تميز، ثم قال: {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يعني رخصت لكم الأنعام كلها، إلا ما حرم عليكم في هذه السورة، وهي الميتة، والدم، ولحم الخنزير وغير ذلك، وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة، والبحيرة، فأخبر الله تعالى: أنهما حلالان {إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} يعني إلا ما بين في هذه السورة. ثم قال: {غَيْرَ مُحِلّي ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} يعني أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} يعني يحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، لأنه أعرف بصلاح خلقه، وما يصلحهم، وما لا يصلحهم وليس لأحد أن يدخل في حكمه، وهذا كقوله { وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } [الكهف: 26] وقال { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألُونَ } [ سورة الأنبياء: 23]. قوله تعالى: {يَـا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ} الشعائر ما جعل الله علامات الطاعات، وأحدها شعيرة، ومعناه لا تستحلوا شيئاً من ترك المناسك كلها، مما أمر الله تعالى من أمر الحج، وهو السعي بين الصفا والمروة، والخروج إلى عرفات ورمي الجمار والطواف واستلام الحجر وغير ذلك. وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمر الله تعالى في هذه السورة بأن لا يتركوا شيئاً من أمور المناسك، ثم قال: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} يعني لا تستحلوا القتل في الشهر الحرام {وَلاَ ٱلْهَدْي،َ وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ} يقول: لا تتعرضوا له ولا تستحلوا، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا خرجوا إلى مكة، وكانوا إذا قلدوا الهدي أمنوا بذلك، ومن يكن له هدي جعل في عنق راحلته قلادة، ومن لم يكن معه راحلة جعل في عنقه قلادة من شَعر أو وبر، فيأمن بذلك فإذا رجع من مكة جعل شيئاً من لحاء شجر مكة في عنق راحلته فيأمن بذلك، ليعرف أنه كان حاجاً، فأمرهم الله تعالى بأن لا يستحلوا ذلك، يعني: من فعل ذلك لا يتعرض له. ثم قال تعالى: {وَلاَ آمِّيْنَ} يقول: ولا تستحلوا قاصدين {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} نزلت في "شُرَيْح بن ضُبَيْعة بن شُرَحْبِيل اليماني" دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلمه، فلما خرج من عنده مَرَّ بسرح لأهل المدينة، فساقها وانتهى إلى اليمامة، ثم خرج من هناك نحو مكة، ومعه تجارة عظيمة فهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخرجوا إليه، ويغيروا على أمواله، فنزل {وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}، {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبّهِمْ} يعني الربح في المال، {وَرِضْوَاناً} يعني يطلبون بحجهم رضوان ربهم فلا يرضى عنهم حتى يؤمنوا، ثم نسخ بقوله: { فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] ولم ينسخ قوله {لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ}، ولكنه محكم فوجب إتمام أمور المناسك. ولهذا قال أصحابنا: (إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك ثم عليه القضاء في السنة الثانية، ونسخ قوله: {وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} فيجوز القتال في الشهر الحرام بقوله { وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً } [التوبة: 36] وقوله تعالى {وَلاَ ٱلْهَدْيَ، وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ} فهو محكم أيضاً، ولم ينسخ فكل من قلد الهدي (وتوجه إلى مكة) ونوى الإحرام صار محرماً، ولا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية، فهذه الأحكام معطوفة بعضها على بعض، بعضها منسوخة وبعضها محكمة. فإن قيل: قد قال: يبغون فضلاً من ربهم، ورضواناً، فأخبر أنهم يطلبون رضوان ربهم، ولم يذكر أن طلبهم كان باطلاً، قيل له: لأنه لم يذكر في لفظ الآية أمر الكفار، وإنما بين النهي عن التعرض للذين يقصدون البيت، فإن كان الذي قصد كافراً فقد بين في آية أُخرى أنه لم يقبل منه، وإن لم يذكر ها هنا وهو قوله: { وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [المائدة: 5] وقال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ} يعني: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا إن شئتم، فهذه رخصة بلفظ الأمر كقوله { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ } [الجمعة: 10] وكقوله { وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ... } [سورة البقرة: 187] الآية وقال الضحاك: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} يعني إذا خرجتم من إحرامكم، وخرجتم من حرم الله تعالى وأمنه فاصطادوا. ثم قال: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ} يقول: ولا يحملنكم عداوة كفار مكة {أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} يعني عام الحديبية {أَن تَعْتَدُواْ} على حجاج اليمامة (من المشركين)، فتستحلوا منهم. وفي الآية دليل: أن المكافأة لا تجوز من غير جنس الذي فعل به وتكون تلك المكافأة اعتداء، لأن الله تعالى قال: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} يعني بغض قوم وعداوتهم {أَن تَعْتَدُواْ} يعني تجاوزوا الحد في المكافأة قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: (شنآن) بجزم النون وقرأ الباقون (شنآن) بالنصب. وقال القتبي، لا يقال في المصادر فعلان، وإنما يقال ذلك في الصفات مثل عطشان، وسكران، وفي المصادر يقال: فعلان، مثل طيران ولهفان وشنآن. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (إن صدوكم) بكسر الألف على معنى الابتداء، وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء. ثم قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ} يعني تعانوا على أمر الله واعملوا به. وروى ابن عباس: البرُّ: ما أمر الله تعالى به، يعني تحاثوا على أمر الله، واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله تعالى عنه، وامتنعوا عنه، وهذا موافق لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الدال على الخير كفاعله" وقد قيل: الدال على الشر كصانعه. ثم قال: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} قال القتبي: العدوان على وجهين: عدوان في السبيل كقوله: { فَلاَ عُدْوَٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } [البقرة: 193] وكقوله { فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ } [القصص: 28] والثاني عدوان في الظلم، كقوله { فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ } [المجادلة: 9] وكقوله { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ } [سورة المائدة: 2] يعني به حجاج أهل اليمامة وصارت الآية عامة في جميع الناس. ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} يقول واخشوا الله وأطيعوه فيما يأمركم به، {إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إذا عاقب. قوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} يعني حرم عليكم أكل الميتة، والميتة كل ما مات حتف أنفه بغير ذكاة، فهو حرام، إلا الجراد والسمك فقد أباحهما على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "أحلت لنا [دمان وميتتان] السمك والجراد، والكبد والطحال" ثم قال: {وَٱلدَّمُ} يعني حرم عليكم أكل الدم وشربه، وهو الدم المسفوح، كما قال في آية أخرى: { إِلاَ أَن يَكُونَ مَيْتَةً، أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } [الأنعام: 145] وأما الدم الذي بقي بعد الإنهار فهو مباح، مثل الطحال والكبد والصفرة التي بقيت في اللحم، ثم قال: {وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ} يعني أكل لحم الخنزير فذكر اللحم والمراد به اللحم والشحم وغير ذلك، وهذا حرام بإجماع المسلمين، ثم قال: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ} يعني حرم عليكم أكل ما ذبح لغير الله، وأصل الإهلال، رفع الصوت، ومنه استهلال الصبي، وإهلال الحج وإنما سمي الذبح إهلالاً لأنهم كانوا يرفعون الصوت عند الذبح بذكر آلهتهم، فحرم الله تعالى ذلك، ثم قال: {وَٱلْمُنْخَنِقَةُ} وهي الشاة التي تختنق فتموت، وكان بعض أهل الجاهلية، يستحلون ذلك ويأكلونها ثم قال {وَٱلْمَوْقُوذَةُ} يعني حرم عليكم أكل الموقوذة، وهي التي تضرب بالخشب فتموت. وأصله في اللغة: هي الإشراف على الهلاك، (فإذا ضرب بالخشب حتى أشرف على الموت، ثم يتركه، يقال: وقذه، ويقال فلان وقيذ وقذته العبادة، أي ضعف وأشرف على الهلاك). ثم قال: {وَٱلْمُتَرَدّيَةُ} وهي الشاة التي تخر من الجبل أو تتردى في بئر فتموت، {وَٱلنَّطِيحَةُ} وهي الشاة التي تنطح صاحبها فيقتلها ثم قال: {وَمَا أَكَلَ ٱلسَّبُعُ} وهي فريسة السبع، فحرم الله تعالى أكل هذه الأشياء كلها على المؤمنين، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} يعني إلا ما أدركتم ذكاته، فذكيتموه قبل أن يموت، فلا بأس بأكله.

قال القتبي: أصل الذكاة من التوقد، يقال: ذكيت النار إذا ألقيت عليها شيئاً من الحطب، وإنما سميت الذكية ذكية، لأنها صارت بحال ينتفع بها. وقال الزجاج: أصل الذكاة تمام الشيء، وقوله: إلا ما ذكيتم يعني ما أدركتم ذبحه على التمام. ثم قال: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} قال القتبي: النصب هو حجر أو صنم منصوب، كانوا يذبحون عنده، وجمعه أنصاب، ويقال: كانوا يذبحون لأعيادهم باسم آلهتهم ثم قال: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} والأزلام: القداح واحدها زلم، على ميزان قلم وأقلام، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يجتمعون عشرة أنفس ويشترون جزوراً، وجعلوا لحمه على تسعة أجزاء، وأعطى كل واحد منهم سهماً من سهامه فجمعوا السهام عند واحد منهم، أو شيء من الأحجار، ثم يخرج هذا الرجل واحداً واحداً من السهام، فكل من خرج سهمه يأخذ جزءاً من ذلك اللحم فإذا خرج تسعة من السهام لا يبقى شيء من اللحم، ولا يكون للذي بقي اسمه آخراً شيء من اللحم، وكان ثمن الجزور كله عليه، وكان نوع آخر: أنهم كانوا يجعلون عشرة من القداح، وكان لكل واحد منها سهم، ولم يكن لثلاثة منها نصيب من اللحم، وهو السفيح والمنيح والوغد، وكان للسبعة لكل سهم نصيب، وهو القذ والتوأم، والرقيب والمعلى، والحلس والناقس، والمسبل. ويقال: كان إذا أراد واحد منهم السفر أخرج سهمين من القداح في واحد منها مكتوب أمرني ربي، وفي الآخر نهاني ربي، فيخرج أحدهما، فإن خرج باسمه: أمرني ربي، وجب عليه الخروج ولم يجز له التخلف، وإن خرج الآخر، لا يسعه الخروج، فنهى الله تعالى عن ذلك كله، بقوله: {ذٰلِكُمْ فِسْقٌ} يعني هذه الأفعال معصية وضلالة، واستحلالها كفر ثم قال: {ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} يعني كفار العرب، أن تعودوا كفاراً حين حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع وليس معهم مشرك. وقال الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة [وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] فتح مكة لثمان بقين من رمضان، سنة سبع، ويقال: سنة ثمان ودخلها ونادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، فانقادت قريش لأمر الله ورفعوا أيديهم وأسلموا. قال الله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} يقول: فلا تخشوا صولة المشركين فأنا معكم، وناصركم، {وَٱخْشَوْنِ} في ترك أمري ثم قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يعني أتممت لكم شرائع دينكم، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان بمكة لم يكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام، فنزلت هذه الآية {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يعني دينكم، حلالكم وحرامكم. وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس أنه قرأ: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فقال له يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة، ويوم عرفة. قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق، أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب إنكم لتقرأون آية، لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فقال عمر: إني لأعلم حيث نزلت، وفي أي يوم نزلت، أنزلت بيوم عرفة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف بعرفة، فإن قيل في ظاهر هذه الآية دليل، أن الدّين يزيد حيث قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، قيل له: ليس فيها دليل، لأنه أخبر أنه أكمل في ذلك اليوم وليس فيها دليل: أنه لم يكمل قبل ذلك، ألا ترى أنه قال في سياق الآية: {وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} ليس فيه دليل أنه لم يرض قبل ذلك، ولكن معناه أنه قد أظهر وقرر، كما جاء في الخبر أن رجلاً أعتق ستة أعبد له في مرضه، فأعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إثنين منهم، يعني أظهر عتقهما وقرر، ولم يرد به الابتداء. وقال مجاهد: معناه اليوم أتممت لكم ظهور دينكم، وغلبة دينكم ونصرته وقال قتادة: معناه، أخلص لكم دينكم. ثم قال: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} يعني منتي، فلم يحج معكم مشرك، {وَرَضِيتُ} يعني اخترت {لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} وروي في الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاش بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين ليلة، ثم مضى لسبيله - صلوات الله عليه - وقال الزجاج: {ٱلْيَوْمَ} صار نصباً للظرف، ومعناه: اليوم أكملت لكم دينكم. وقال معاذ بن جبل: النعمة لا تكون إلا بعد دخول الجنة، فصار كأنه قال: رضيت لكم الجنة، لأنه لا تكون النعمة تماماً حتى يضع قدميه فيها. ثم رجع إلى أول الآية فقال: {فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} وذلك أنه لما بين المحرمات علم أن بعض الناس اضطروا إلى أكله فأباح لهم أكله عند الضرورة. فقال: فمن اضطر، يعني اجهد إلى شيء مما حرم الله تعالى عليه، في مخمصة، يعني مجاعة، وأصل الخمص ضمور البطن ودقته، فإذا جاع فقد خمص بطنه، ثم قال: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} يعني غير متعمد المعصية لأكله فوق الشبع وأصل الجنف: الميل. وقال الزجاج: يعني غير متجاوز للحد، وغير آكل لها على وجه التلذذ فلا إثم عليه في أكله. وقال أهل المدينة: المضطر يأكل حتى يشبع. وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: يأكل مقدار ما يأمن به الموت، وكذلك قال الشافعي. ثم قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني: غفور فيما أُكل، رحيم حين رَخَّص له في أكله عند الاضطرار. قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو: (فمن اضطر) بكسر النون لاجتماع الساكنين، وقرأ الباقون: بالضم.