التفاسير

< >
عرض

وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ
١٢
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٣
خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ
١٤
وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ
١٥
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٦
رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ
١٧
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
١٨
-الرحمن

بحر العلوم

قال {وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ} يعني: ذو الورق {وَٱلرَّيْحَانُ} يعني ثمره، وقال مجاهد: العصف يعني ورق الحنطة، والريحان الرزق، وقال الضحاك: الحب الحنطة، والشعير والعصف التبن. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: العصف الزرع، والريحان الورق بلسان حمير، ويقال: العصف السنبل، والريحان ثمرته وما ينتفع به. ويقال الريحان يعني الرياحين جمع الريحان وهو نبت لا ساق له قرأ ابن عامر والحب ذو العصف بنصب الباء وإنما نصبه لأنه عطف على قوله {ٱلأَرْض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} {وَٱلْحَبُّ} يعني وخلق الحب ذا العصف والريحان، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم (والحب ذو العصف والريحان) بضم النون والباء لأنه عطف على قوله (فيها فاكهة) وقرأ حمزة والكسائي هكذا إلا أنَّهما كسرا النون في قوله (والريحان) عطفا على (العصف) على وجه المجاورة وقد ذكر الله تعالى من أول السورة نعماءه ثم خاطب الإنس والجن فقال {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} وإن لم يسبق ذكرهما لأن في الكلام دليلاً وقد ذكرهما من بعده وهو قوله { يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ } [الرحمن: 33] وقال {فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} يعني فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تكذبان يعني تتجاحدان بأنها ليست من الله تعالى، قال بعضهم آلاء الله ونعماء الله واحد إلا أن الآلاء أعم والنعماء أخص، ويقال الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد والنعماء النعمة الباطنة وهو المعرفة بالقلب كقوله { { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } [لقمان: 20].

وقال بعضهم الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا، مثاله أن رجلاً لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء، وكذلك لسان الأخرس ورجل مقعد فله الآلاء وليست له النعماء وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما وقد ذكر في هذه السورة دفع البلية وإيصال النعمة فكل ذلك سماه الآلاء، وروى محمد بن المنذر عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على أصحابه سورة الرحمٰن فسكت القوم فقال النبي عليه السلام "الجن كانوا أحسن رداً منكم ما قرأت عليهم فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بواحدة منها فلك الحمد" وفي رواية أخرى أنه قال "ما قرأت عليهم إلا قالوا ولا بواحدة منها فلك الحمد" ثم قال: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ} يعني آدم {مِن صَلْصَـٰلٍ} يعني الطين اليابس الذي يتصلصل أي يصوت كما يصوت الفخار، ويقال الصلصال الطين الجيد الذي ذهب عنه الماء وتشقق {كَٱلْفَخَّارِ} يعني الطين الذي يصنع به الفخار وقال في موضع آخر: { { خَلَقْنَـٰكُمْ مِّن تُرَابٍ } [الحج: 5] وقال في موضع آخر: { { مِن طِينٍ } [السجدة: 7] وقال في موضع آخر: {مِن صَلْصَـٰلٍ} فهذا كله قد كان حالاً بعد حال {وَخَلَقَ ٱلْجَانَّ} يعني أبا الجن ثم قال هو إبليس {مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ} يعني من لهب من نار وليس لها دخان.

وقال بعضهم خلق من نار جهنم وقال بعضهم من النار التي بين الكلة الرقيقة بين السماء ومنها يكون البرق ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة ثم قال {فَبِأَىِّ ءالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني فبأي نعمة أنتم يعني خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة فكيف تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى ثم قال {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} يعني هو رب المشرقين مشرق الشمس ومشرق القمر وقيل مشرق الشتاء ومشرق الصيف ورب المغربين يعني مغرب الشتاء والصيف ثم قال {فَبِأَىِّ ءالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟ ومعناه أنتم حيث ما كنتم من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى وتأكلون رزقه وهو عالم حيث ما كنتم وهو حافظكم وناصركم فكيف تنكرون هذه النعم.