التفاسير

< >
عرض

يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ
٣٣
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٤
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ
٣٥
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٦
فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ
٣٧
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٣٨
فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ
٣٩
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٠
يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ
٤١
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٤٢
هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
٤٣
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
٤٤
-الرحمن

بحر العلوم

قال {يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ وَٱلإنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} يعني إن قدرتم {أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} يعني أن تخرجوا من أطراف السَّمَاوَاتِ والأرض ونواحيها {فَٱنفُذُواْ} يعني فاخرجوا إن استطعتم قال مقاتل: هذا الخطاب للجن والإنس في الدنيا يعني إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروباً من الموت فانفذوا {لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ} يعني أينما أدرككم الموت، وروي عن ابن عباس أنه قال هذا الخطاب في يوم القيامة وذلك أن السماء تتشقق بالغمام وتنزل ملائكة السَّمٰوَات ويقومون حول الدنيا محيطاً بها وجاء الروح وهو ملك يقوم صفاً وهو أكبر من جميع الخلق فحينئذ يقال لهم إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السَّمَوَات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان يعني لا تنجون إلا بحجة وبرهان ثم قال {فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بين لكم أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا وترجعوا، ويقال معناه ذلك اليوم لا يفوته أحد ولا يعينكم أحد غيره فكيف تجحدون هذه النعم ثم قال: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مّن نَّارٍ} يعني يرسل على كفار الجن وكفار الإنس لهب من النار {وَنُحَاسٌ} يعني الصُّفْر المذاب يعذبون بهما ويقال دخان لهب فيه ويقال النحاس هو لباس أهل النار {فَلاَ تَنتَصِرَانِ} يعني لا تُمْنعان من ذلك قرأ ابن كثير {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ} بكسر الشين والباقون بالضم فهما لغتان ومعناهما واحد وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ونحِاسِ) بكسر السين والباقون بالضم فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ ثم قال {فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني لا يعينكم أحد غير الله ولا يحفظكم حين يرسل عليكم العذاب إلا الله فكيف تنكرون قدرته وتوحيده ثم قال عز وجل {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَاءُ} يعني انفرجت السماء لنزول الملائكة كقوله { { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ } [الفرقان: 25] ثم قال: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} يعني صارت كدهن الورد الصافي، وهذا قول مقاتل وقال القتبي صارت حمراء في لون الفرس يعني بمنزلة الدابة الجُلْجُون الذي تغير لونه في كل وقت يرى لونه على خلاف اللون الأول، ويقال له المورد، ويقال الدهن الأديم الأحمر بلغة الفارسي يعني الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر يعنون أخضر يضرب إلى سواد يتغير لونه بياض، ويقال من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن. ثم قال عز وجل {فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني: إذا كان يوم القيامة تغيرت السموات من هيبته ويأمر الخلق بالحساب فهو الذي ينجيكم من هول ذلك اليوم فكيف تنكرون هذه النعمة ثم قال عز وجل {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ} يعني عن علمه {إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} يعني إنسياً ولا جنياً لأن الله تعالى قد أحصى عليه ويقال لا يسأل سؤال استفهام ولكن يسأل سؤال التوبيخ والزجر، كقوله تعالى { { فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [الحجر: 92] ويقال لا يسأل الكافر لأنه عرف بعلامته ثم قال {فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني إذا كان يوم القيامة أعطاكم الثواب وأدخلكم في جنته فكيف تنكرون وحدانيته ويقال معناه: إن الله قد بين لكم أنه يعلم أعمالكم ونهاكم عن الذنوب وتجاوز عنكم فكيف تنكرون وحدانيته قوله عز وجل {يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ} يعني يُعرف الكافر بسواد الوجوه وزرقة الأعين {فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلأَقْدَامِ} وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعونهم على وجوههم فيطرحونهم في النار ثم قال: {فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يعني هو الذي يدفع عنكم ذلك العذاب إن آمنتم به وأطعتموه ووحدتموه فكيف تنكرون هذه النعمة ثم قال عز وجل {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ} وذلك أن الكفار إذا دنوا من النار تقول لهم الخزنة هذه جهنم {ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} يعني جهنم التي كنتم بها تكذبون في الدنيا ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ} يعني الشراب الحار الذي قد انتهى حره وذلك أنه يسلط عليهم الجوع فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين فأكلوا منه فأخذ في حلقهم فاستغاثوا بالماء فأتوا من الحميم فإذا قربوا إلى وجوههم تناثر لحم وجوههم فيشربون فيغلي في أجوافهم ويخرج جميع ما فيها ثم يلقى عليهم الجوع فمرة يذهب بهم إلى الحميم ومرة إلى الزقوم فذلك قوله تعالى {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ}.