التفاسير

< >
عرض

وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ
١٥
قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً
١٦
وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً
١٧
عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً
١٨
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً
١٩
وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً
٢٠
عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً
٢١
إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً
٢٢
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً
٢٣
فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً
٢٤
وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً
٢٥
وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً
٢٦
إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً
٢٧
نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً
٢٨
إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً
٢٩
وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
٣٠
يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
٣١
-الإنسان

بحر العلوم

قال عز وجل {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ} وهي كيزان مدققة الرأس لا عرى لها {كَانت قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ} يعني في صفاء القارورة وبياض الفضة، وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء من ورائه ولكن قوارير الجنة من فضة في صفاء القوارير كبياض الفضة قرأ نافع وعاصم والكسائي سلاسلاً وقواريراً كلهن بإثبات الألف والتنوين، وقرأ حمزة بإسقاط الألف كلها وكان أبو عمرو يثبت الألف في الأولى من قوارير ولا يثبتها في الثانية، قال أبو عبيد رأيت في مصحف عثمان رضي الله عنه الذي قال له مصحف الإمام قوارير بالألف والثانية كان بالألف فحكت ورأيت أثرها بيناً هناك، وأما السلاسل فرأيتها قد رست وقال بعض أهل اللغة الأجود في العربية أن لا ينصر فيه سلاسل وقوارير لأن كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن فإنه لا ينصرف فأما من صرفه ونون فإنه رده إلى الأصل في الازدواج إذا وقعت الألف بغير تنوين ثم قال {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} يعني على قدر كف الخدم، ويقال على قدر كف المخدوم ولا يحجز، ويقال على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه ويقال على مقدار الذي لا يزيد ولا ينقص ليكون الري لشربهم {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً} يعني خمراً وشراباً {كَانَ مِزَاجُهَا} يعني خلطها {زَنجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً} وقال القتبي والزنجبيل اسم العين وكذلك السلسبيل، ويقال إن السلسبيل اللبن والزنجبيل طعمه، والعرب تضرب به المثل وقال مقاتل: إنما سمي السلسبيل لأنها تسيل عليهم في الطريق وفي منازلهم وقال أبو صالح بلغني أن السلسبيل شديد الجرية وقال بعضهم معناه كان مزاجها زنجبيلاً عيناً فيها تسمى سلسبيلاً يعني عيناً تسمى الزنجبيل وتم الكلام، ثم قال سلسبيلاً يعني سل الله تعالى السبيل إليها قوله تعالى {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰنٌ مُّخَلَّدُونَ} يعني لا يكبرون ويكونون على سن واحدة {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً} قال قتادة كثرتهم وحسنهم كاللؤلؤ المنثور {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً} يعني إذا رأيت هناك ما في الجنة رأيت نعيماً {وَمُلْكاً كَبِيراً} يعني على رؤوسهم التيجان كما يكون على رأس ملك من الملوك ويقال "وملكاً كبيراً" يعني لا يدخل رسول رب العزة إلا بإذنهم ثم قال عز وجل {عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ} يعني على ظهورهم ثياب سندس قرأ نافع وحمزة بجزم الياء وكسر الهاء والباقون بنصب الياء وضم الهاء فمن قرأ بالجزم فمعناه الذي يعلوهم وهو اسم فاعل من علا يعلو ومن قرأ بالنصب نصبه على الظرف كما قال فوقهم ثياب، وروي عن ابن مسعود: أنه قرأ عاليتهم ثياب يعني الوجه الأعلى ثم قال ثياب سندس خضر بالكسر {وَإِسْتَبْرَقٍ} قرأ نافع وعاصم في رواية حفص خضر واستبرق كلاهما بالضم والباقون كلاهما بالكسر فمن قرأ بالضم لأنه نعت الثياب يعني ثياباً خضراً ومن قرأ بالكسر فهو نعت للسندس ومن قرأ واستبرق بالضم فهو نسق على الثياب ومعناه عليهم سندس واستبرق ومن قرأ بالكسر يكون عليهم ثياب من هذين النوعين ثم قال عز وجل {وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} وهو جمع السوار {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} يعني الذي سقاهم خدمهم، ويقال الذين يشربون من قبل أن يدخلوا الجنة ثم قال {إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء} يعني الذي وصف لكم في الجنة ثواباً لأعمالكم {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} يعني عملكم مقبولاً يعني يبشرون بهذا إذا أرادوا أن يدخلوا الجنة ثم قال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ تَنزِيلاً} يعني أنزلنا عليك القرآن تنزيلاً يعني إنزالاً فالمصدر للتأكيد ثم قال عز وجل {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ} يعني استقم على أمر الله تعالى ونهيه ويقال اصبر على أذى الكفار، وقال: على تبليغ الرسالة {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً} آثماً يعني فاجراً وهو الوليد بن المغيرة أو كفوراً يعني ولا كفوراً وهو عتبة بن ربيعة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن فعلت هذا لأجل المال فارجع حتى أدفع إليك من المال ما تصير به أكثر مالاً من أهل مكة فنزلت هذه الآية ولا تطع منهم أثماً ولا كفورًا ثم قال عز وجل: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبّكَ} يعني صلِ باسم ربك {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} يعني بكرة وعشياً يعني صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ} يعني فصلِّ لله المغرب والعشاء {وَسَبّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} يعني بعد المكتوبة فهذا للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، ويقال له ولأصحابه وهذا أمر استحباب لا أمر وجوب ثم قال عز وجل {إِنَّ هَـٰؤُلاَء يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} يعني يختارون الدنيا {وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ} يعني يتركون العمل لما هو أمامهم {يَوْماً ثَقِيلاً} يعني ليوم ثقيل وقال مجاهد وراءهم يعني خلفهم. قوله تعالى {نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} يعني قوينا خلقهم ليطيعوني فلم يطيعوني، ويقال شددنا مفاصلهم بالعصب والعروق والجلد لكي لا ينقطع المفاصل وقت تحريكها، ويقال شددنا أسرهم أي قبلهم ودبرهم لكي لا يسيل البول والغائط إلا عند الحاجة {وَإِذَا شِئْنَا} يعني إذا أردنا {بَدَّلْنَا أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً} يعني أي نخلق خلقاً أمثل منهم وأطوع لله {إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ} يعني هذه السورة عظة لكم ويقال هذه الآيات {فَمَن شَاء ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً} يعني فمن شاء أن يتعظ فليتعظ فقد بينا له الطريق ثم قال عز وجل {وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} يعني إلا أن يشاء لكم فيوفقكم يعني إن جاهدتم فيوفقكم كقوله { { وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ } [العنكبوت:69] الآية قرأ ابن كثير وأبو عمرو "وما يشاؤون" بالياء على معنى الخبر عنهم والباقون بالتاء على معنى المخاطبة ثم قال عز وجل {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} يعني كان عليماً قبل خلقكم من يتخذ السبيل ولم يشرك ويوحد "حكيماً" حكم بالبداية لمن كان أهلاً لذلك قوله تعالى {يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ} يعني يكرم بالإسلام من كان أهلاً لذلك ويقال يدخل من يشاء في رحمته يعني في نعمته وهي الجنة في رحمته وفضله {وَٱلظَّـٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يعني يدخل الظالمين في عذاب أليم ويقال يعذب الظالمين وقرىء في الشاذ والظالمون وقراءة العامة والظالمين بالنصب ومعناه ويعذب الظالمين ويكون لهم عذاباً أليماً تفسيراً لهذا المضمر والله أعلم.