التفاسير

< >
عرض

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ
٢٢
وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٣
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٢٤
وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢٥
وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٢٦
-الأنفال

بحر العلوم

{إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ} يعني شر الناس. عند الله {ٱلصُّمُّ} عن الهدى {ٱلْبُكْمُ} يعني الخرس الذين لا يتكلمون بخير {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} الإيمان يعني بني عبد الدار وغيرهم من الكفار، لم يسلموا. قوله تعالى {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ} يقول لو علم الله تعالى فيهم صدقاً لأعطاهم الإيمان وأكرمهم به {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} يعني لو أكرمهم بالإسلام {لَتَوَلَّواْ وَهُم مُّعْرِضُونَ} يعني أعرضوا عن الإيمان بما سبق في علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون. وقال الزجاج معناه ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم الجواب عن كل ما يسألون عنه ولو أسمعهم يعني لو بين لهم كل ما يختلج في نفوسهم لأعرضوا عنه لمعاندتهم. قوله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ} يعني أجيبوا الله بالطاعة، في أمر القتال {وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} إلى القتال أو غيره. وإنّما قال إذا دعاكم ولم يقل إذا دعواكم لأن الدعوة واحدة. ومن يجب الرسول فقد أجاب الله تعالى. قوله تعالى: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} يعني القرآن الذي به حياة القلوب، ويقال لما يحييكم يعني يهديكم في أمر الحرب الذي يعزكم ويصلحكم ويقويكم بعد الضعف، ويقال لما يحييكم أي: يهديكم، ويقال لما يحييكم يعني لما يكون سبباً للحياة الدائمة في نعيم الآخرة {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال الفقيه: حدثنا محمد ابن الفضل قال حدثنا فارس بن مردويه عن محمد بن الفضل عن أبي صالح مطيع عن حماد بن سلمة عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: يحول بين المؤمن ومعاصيه التي تسوقه وتجره إلى النار، ويحول بين الكافر وطاعته التي تجره إلى الجنة. ويقال تحول بين المرء وإرادته لأن الأمر لا يكون بإرادة العبد وإنما يكون بإرادة الله تعالى. كما قال أبو الدرداء:

يريد المرءُ أن يعطى مناه ويأبى الله إلاَّ ما أرادَا

ويقال: يحال بين المرء وأجله لأن الأجل حال دون الأمل. وقال سعيد بن جبير: يحول بين الكافر والإِيمان وبين المؤمن والكفر. وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه يعني: حتى يتركه ولا يفعله ثم قال: {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يعني في الآخرة فتثابون بأعمالكم. قوله تعالى{وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} قال مقاتل نزلت الآية في شأن عليّ وطلحة والزبير.


قال الفقيه: حدثنا عمر بن محمد قال حدثنا أبو بكر الواسطي قال حدثنا إبراهيم بن يوسف قال حدثنا قبيصة عن سفيان عن جويبر عن الضحاك في قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} قال نزلت في شأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال حدثنا عمر بن محمد قال حدثنا أبو بكر الواسطي قال حدثنا إبراهيم بن يوسف قال حدثنا أبو معاوية عن السدي عن المعلى عن أبي ذَر أن عمر رضي الله عنه أخذ بيده يوماً فغمزها فقال خل عني يا قفل الفتنة. فقال عمر ما قولك قفل الفتنة؟ قال إنك جئت ذات يوم فجلست في آخر القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تصيبنكم فتنة ما دام هذا فيكم" . وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: جعلت أنا وعثمان فتنة لهذه الأمة. وقال بعضهم قوله لا تصيبن. هذا على وجه النهي. ومعناه اتقوا فتنة ثم نهى فقال لا تصيبن يعني الذين ظلموا منكم خاصة أي: لا يتعرض الذين ظلموا منكم خاصة لما نزل بهم. وقَال بعضهم هذا جواب الأمر بلفظ النهي مثل قوله تعالى: { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ } [النمل: 18] ثم قال تعالى {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي لمن وقع في الفتنة. ثم ذكرهم النعم فقال تعالى {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} يعني واحفظوا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلاً في العدد، وهم المهاجرون {مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلأَرْضِ} يعني مقهورون في أرض مكة {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} يعني يختلسكم ويذهب بكم الكفار {فَآوَاكُمْ} بالمدينة {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} بنصره يوم بدر.
وقال قتادة كانوا بين أسدين بين قيصر وكسرى يخافون أن يتخطفهم الناس وهم أهل فارس والروم والعرب ممن حول مكة ثم قال: {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} يعني: الحلال وهو الغنيمة {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يعني لكي تشكروا الله وتطيعوه وتعرفوا ذلك منه. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}