التفاسير

< >
عرض

وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ
٨٧
وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
٨٨
مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ
٨٩
وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٩٠
-النمل

النكت والعيون

{وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} وهو يوم النشور من القبور وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الصور جمع صورة، والنفخ فيها إعادة الأرواح إليها.
الثاني: أنه شيء ينفخ فيه كالبوق يخرج منه صوت يحيا بن الموتى.
الثالث: أنه مثل ضربه الله لإحياء الموتى في وقت واحد بخروجهم فيه كخروج الجيش إذا أُنذروا بنفخ البوق فاجتمعوا في الخروج وقتاً واحداً.
{فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} وفي هذا الفزع هنا قولان:
أحدهما: أنه الإجابة والإسراع إلى النداء من قولك فزعت إليه من كذا إذا أسرعت إلى ندائه في معونتك قال الشاعر:

كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزع كان الصراخ له قرع الظنابيب

فعلى هذا يكون {إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ} استثناء لهم من الإِجابة والإسراع إلى النار.
ويحتمل من أريد بهم وجهين:
أحدهما: الملائكة الذين أخروا عن هذه النفخة.
والقول الثاني: إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحذر لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا وهذا أشبه القولين فعلى هذا يكون قوله {إِلاَّ مَن شَآءَ} استثناء لهم من الخوف والفزع.
وفيهم قولان:
أحدهما: أنهم الملائكة الذين يثبت الله قلوبهم، قاله ابن عيسى.
الثاني: أنهم الشهداء. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الشهداء ولولا هذا النص لكان الأنبياء بذلك أحق لأنهم لا يقصرون عن منازل الشهداء وإن كان في هذا النص تنبيه عليهم. وقيل إن إسرافيل هو النافخ في الصور.
{وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} فيه وجهان:
أحدهما: راغمين، قاله السدي.
الثاني: صاغرين، قاله ابن عباس وقتادة ويكون المراد بقوله {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} من فزع ومن استثني من الفزع بقوله {إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} وهذا يكون في النفخة الثانية، والفزع بالنفخة الأولى، وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَاماً" .
قوله {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} أي واقفة.
{وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} أي لا يرى سيرها لبعد أطرافها كما لا يرى سير السحاب إذا انبسط لبعد أطرافه وهذا مثل، وفيم ضرب له ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله سهل بن عبد الله.
الثاني: أنه مثل ضربه الله للإيمان، تحسبه ثابتاً في القلب وعمله صاعد إلى السماء.
الثالث: أنه مثل للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى القدس.
{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيىْءٍ} أي فعل الله الذي أتقن كل شيء. وفيه أربعة أوجه:
أحدها: أحكم كل شيء، قاله ابن عباس.
الثاني: أحصى، قاله مجاهد.
الثالث: أحسن، قاله السدي.
الرابع: أوثق، واختلف فيها فقال الضحاك: هي كلمة سريانية، وقال غيره: هي عربية مأخوذ من إتقان الشيء إذا أحكم وأوثق، وأصلها من التقن وهو ما ثقل من الحوض من طينة.
قوله: {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ} فيها وجهان:
أحدهما: أنها أداء الفرائض كلها.
الثاني: أفضل منها لأنه يعطى بالحسنة عشراً، قاله زيد بن أسلم.
الثالث: فله منها خير للثواب العائد عليه، قاله ابن عباس ومجاهد.
{وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ} فيه وجهان:
أحدهما: وهم من فزع يوم القيامة آمنون في الجنة.
الثاني: وهم من فزع الموت في الدنيا آمنون في الآخرة.
{وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةٍ} الشرك في قول ابن عباس وأبي هريرة.