التفاسير

< >
عرض

وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً
١٠
وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً
١١
إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً
١٢
وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً
١٣
يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً
١٤
إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً
١٥
فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً
١٦
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً
١٧
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً
١٨
-المزمل

النكت والعيون

{واهْجُرهم هَجْراً جَميلاً} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: اصفح عنهم وقل سلام، قاله ابن جريج.
الثاني: أن يعرض عن سفههم ويريهم صغر عداوتهم.
الثالث: أنه الهجر الخالي من ذم وإساءة.
وهذا الهجر الجميل قبل الإذن في السيف.
{وذَرْني والمُكَذِّبينَ أُولي النّعْمةِ} قال يحيى بن سلام:
بلغني أنهم بنو المغيرة، وقال سعيد بن جبير: أُخبرت أنهم اثنا عشر رجلاً من قريش.
ويحتمل قوله تعالى: " أولي النّعْمةِ" ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه قال تعريفاً لهم إن المبالغين في التكذيب هم أولي النعمة.
الثاني: أنه قال ذلك تعليلاً، أي الذين أطغى هم أولوا النعمة.
الثالث: أنه قال توبيخاًً أنهم كذبوا ولم يشكروا من أولاهم النعمة.
{ومهِّلْهم قليلاً} قال ابن جريج: إلى السيف.
{إنّ لدينا أنْكالاً وجَحيماً} في " أنكالاً" ثلاثة أوجه:
أحدها: أغلالاً، قاله الكلبي.
الثاني: أنها القيود، قاله الأخفش وقطرب، قالت الخنساء:

دَعاك فَقَطّعْتَ أنكاله وقد كُنّ قبْلك لا تقطع.

الثالث: أنها أنواع العذاب الشديد، قاله مقاتل، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله تعالى يحب النكل على النكل، قيل: وما النكل؟ قال: الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب" ، ومن ذلك سمي القيد نكلاً لقوته، وكذلك الغل، وكل عذاب قوي واشتد.
{وطعاماً ذا غُصَّةٍ} فيه وجهان:
أحدهما: أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولايخرج، قاله ابن عباس.
الثاني: أنها شجرة الزقوم، قاله مجاهد.
{وكانت الجبالُ كَثيباً مَهيلاً} فيه وجهان:
أحدهما: رملاً سائلاً، قاله ابن عباس.
الثاني: أن المهيل الذي إذا وطئه القدم زل من تحتها وإذا أخذت أسفله انهال أعلاه، قاله الضحاك والكلبي.
{فأخَذْناه أَخْذاً وبيلاً} فيه أربعة تأويلات:
أحدهما: شديداً، قاله ابن عباس ومجاهد.
الثاني: متتابعاً، قاله ابن زيد.
الثالث: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر العظيم وابل، قاله الزجاج.
الرابع: مهلكاً، ومنه قول الشاعر:

أكْلتِ بَنيكِ أَكْلَ الضّبِّ حتى وَجْدتِ مرارةَ [الكلإ الوبيل].

{فكيف تتّقونَ} يعني يوم القيامة.
{إن كفَرتم يوماً يجْعَل الولدان شيباً} الشيب: جمع أشيب، والأشيب والأشمط الذي اختلط سواد شعره ببياضه، وهو الحين الذي يقلع فيه ذو التصابي عن لهوه، قال الشاعر:

طرْبتَ وما بك ما يُطرِب وهل يلعب الرجلُ الأَشْيَبُ

وإنما شاب الولدان في يوم القيامة من هوْله.
{السماءُ مُنفطرٌ به} فيه أربعة أوجه:
أحدها: ممتلئة به، قاله ابن عباس.
الثاني: مثقلة، قاله مجاهد.
الثالث: مخزونة به، قاله الحسن.
الرابع: منشقة من عظمته وشدته، قاله ابن زيد.
{وكانَ وعْدُه مَفْعولاً} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وعده بأن السماء منفطر به، وكون الجبال كثيباً مهيلاً، وأن يجعل الولدان شيباً، قاله يحيى بن سلام.
الثاني: وعده بأن يظهر دينه على الدين كله، قاله مقاتل.
الثالث: وعده بما بشّر وأنذر من ثوابه وعقابه.
وفي المعنى المكنى عنه في قوله " به" وجهان:
أحدهما: أن السماء منفطرة باليوم الذي يجعل الولدان شيباً، فيكون اليوم قد جعل الولدان شيباً، وجعل السماء منفطرة ويكون انفطارها للفناء.
الثاني: معناه أن السماء منفطرة بما ينزل منها بأن يوم القيامة يجعل الولدان شيباً، ويكون انفطارها بانفتاحها لنزول هذا القضاء منها.