التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ
٨٨
وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ
٨٩
-الأنبياء

معالم التنزيل

فذلك قوله عزّ وجلّ: {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ}، يعني: أجبناه، {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ}، من تلك الظلمات، {وَكَذَٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ}، من كل كرب إذا دعونا واستغاثوا بنا، قرأ ابن عامر وعاصم برواية أبي بكر: {نُجِّيْ} بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة، واختلف النحاة في هذه القراءة فذهب أكثرهم إلى أنها لحن لأنه لو كان على ما لم يسم فاعله لم تسكن الياء ورفع المؤمنين، ومنهم من صوبها، وذكر الفراء لها وجهاً آخر وهو إضمار المصدر، أي نجا النجاء المؤمنين ونصب المؤمنين كقولك: ضرب الضرب زيداً، ثم تقول ضرب زيداً بالنصب على إضمار المصدر، وسكن الياء في {نجي} كما يسكنون في بقي ونحوها، قال القتيبي: من قرأ بنون واحدة والتشديد إنما أراد ننجي من التنجية إلاَّ أنه أدغم وحذف نوناً طلباً للخفة ولم يرضه النحويون لبعد مخرج النون من الجيم، والإِدغام يكون عند قرب المخرج، وقراءة العامة {ننجي} بنونين من الإِنجاء، وإنما كتبت بنون واحدة لأن النون الثانية كانت ساكنة والساكن غير ظاهر على اللسان فحذفت كما فعلوا في إلاَّ حذفوا النون من إن لخفائها، واختلفوا في أن رسالة يونس متى كانت؟ فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كانت بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت، بدليل أن الله عزّ وجلّ ذكره في سورة الصافات، { فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ } [الصافات: 145]، ثم ذكر بعده: { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِاْئةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [الصافات: 147]، وقال الآخرون: إنها كانت من قبل بدليل قوله تعالى: { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } [الصافات: 139-140].

قوله عزّ وجلّ: {وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ}، دعا ربَّه، {رَبِّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً}، وحيداً لا ولد لي وارزقني وارثاً، {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ}، ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه أفضل من بقي حياً.