التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١٥٦
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
١٥٧
وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ
١٥٨
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ
١٥٩
-آل عمران

معالم التنزيل

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، يعني: المنافقين عبد الله بن أُبي وأصحابه، {وَقَالُواْ لإِخْوَٰنِهِمْ}، في النفاق والكفر، وقيل: في النسب، {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: سافروا فيها لتجارةٍ أو غيرها، {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} أي: غُزاةً جمعُ غازٍ فَقُتلُوا، {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ} يعني: قولهم وظنهم، {حَسْرَةً} غمّاً {فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {يعملون} بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء.

{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} قرأ نافع وحمزة والكسائي {مُتُّمْ} بكسر الميم، وقرأ الآخرون بالضم، فمن ضمه فهو من مات يموت، كقولك: من قال يقول قلت، بضم القاف، ومن كسره فهو من مات يمات، كقولك من خاف يخاف: خِفتُ، {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ}، في العاقبة، {وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}، من الغنائم، قراءة العامة {تجمعون} بالتاء، لقوله {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} وقرأ حفص عن عاصم {يجمعون} بالياء، يعني: خير مما يجمع الناس.

{وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ}، في العاقبة.

قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: فبرحمةٍ من الله، و{ما} صلة، كقوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ) {لِنْتَ لهُم} أي: سَهُلت لهم أخلاقُك، وكثرةُ احتمالك، ولم تُسرعْ إليهم فيما كان منهم يوم أُحد، {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً} يعني: جافياً سيِّء الخُلُق قليل الاحتمال، {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ}، قال الكلبي: فظَّاً في القول غليظ القلب في الفعل، {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}، أي: لنفرُوا وتفرقُوا عنك، يقال: فضضتُهم فانفضُّوا، أي فرقتُهم فتفرقُوا {فَٱعْفُ عَنْهُمْ}، تجاوزْ عنهم ما أتوا يوم أُحد، {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} حتى أشفّعكَ فيهم، {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ} أي: استخرج آراءهم واعلم ما عندهم، من قول العرب: شُرتُ الدابة، وشَورتُها، إذا استخرجتُ جريَها، وشرتُ العسلَ وأشرتُه إذا أخذتُه من موضعه، واستخرجتُه. واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه صلّى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه، ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبٌّوا وكرِهُوا. فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، أي: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله تعالى عهد، قال الكلبي: يعني ناظرْهم في لقاء العدو ومكايد الحرب عند الغزو. وقال مقاتل وقتادة: أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييباً لقلوبهم، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم. وقال الحسن: قد علم الله عزّ وجلّ أنه ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكنه أراد أن يستنّ به مَن بعده.

أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي: أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان أخبرنا علي بن العباس المقانعي أخبرنا أحمد بن ما هان أخبرني أبي أخبرنا طلحة بن زيد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت:

"ما رأيتُ رجلاً أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلّى الله عليه وسلم" .

قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} لا على مشاورتهم، أي: قُمْ بأمر الله وثقْ به واستعنه، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ}.