التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١٨٠
-آل عمران

معالم التنزيل

{وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ}، أي: ولا يحسبنّ الباخلون البخل خيراً لهم، {بَلْ هُوَ}، يعني: البخل، {شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ}، أي: سوف يطوقون {مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، يعني: يجعل ما منعه من الزكاة حيّةً تُطوّق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فوقه إلى قدمه، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وأبي وائل والشعبي والسدي.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله المديني أنا هاشم بن القاسم أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالاً فلم يؤدِ زكاتهُ مُثّلَ له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرعَ له زبيبتان، يُطوِّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الآية"

أخبرنا عبد الواحد الميلحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن حفص بن غياث أنا أبي أنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال:

انتهيت إليه، يعني النبيَّ صلّى الله عليه وسلم قال. "والذي نفسي بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف، ما من رجلٍ يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يُؤدي حقّها إلا أُتي بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها وتنطحُه بقرونِها كلّما جازتْ أُخراها رُدتْ عليه أُولاها حتى يُقضَى بين النّاس"

قال إبراهيم النخعي: معنى الآية يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقاً من النار، قال مجاهد: يُكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به في الدنيا من أموالهم. وروى عطية عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتمُوا صفة محمد صلّى الله عليه وسلم ونبوته، وأراد بالبخل كتمان العلم كما قال في سورة النساء { ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [النساء: 37]. ومعنى قوله: «سيُطوقونَ ما بخلُوا به يومَ القيامة» أي: يحملون وزرَه وإثمَه، كقوله تعالى: { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } [الأنعام: 31]. {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، يعني: أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره قوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } [مريم: 40] {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} قرأ أهل البصرة ومكة يعملون بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء.