التفاسير

< >
عرض

لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ
٢٨
إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ
٢٩
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٣٠
-المائدة

معالم التنزيل

{لَئنْ بَسََطتَ} أي: مددت، {إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّىۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، قال عبدالله بن عمر: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده، وهذا في الشرع جائز لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم طلباً للأجر، كما فعل عثمان رضي الله عنه، قال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت إذا أراد رجل قتل رجل أن لا يمتنع ويصبر.

{إِنِّىۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ}، ترجع، وقيل: تحمل، {بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ}، أي: بإثم قتلي إلى إثمك، أي: إثم معاصيك التي عملت من قبل، هذا قول أكثر المفسرين. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه إني أريد أن تكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعاً، وقيل: معناه أن ترجع بإثم قتلي وإثم معصيتك التي لم يتقبل لأجلها قربانك، أو إثم حسدك.

فإن قيل: كيف قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، وإرادة القتل والمعصية لا تجوز؟ قيل ذلك ليس بحقيقة إرادة ولكنه لما علم أنه يقتله لا محالة وَطَّنَ نفسه على الاستسلام طلباً للثواب فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً، وإن لم يكن مريداً حقيقة، وقيل: معناه إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي فتكون إرادة صحيحة، لأنها موافقة لحكم الله عزّ وجلّ، فلا يكون هذا إرادة للقتل، بل لموجب القتل من الإثم والعقاب، {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}، أي: طاوعته وشايعته وعاونته، {قَتْلَ أَخِيهِ}، أي في قتل أخيه، [وقال مجاهد: فشجعته، وقال قتادة: فزينتْ له نفسُه، وقال يمان: سهّلت له نفسه ذلك، أي: جعلته سهلاً] تقديره: صوّرت له نفسه أن قتل أخيه طوع له أي سهل عليه، فقتله فلما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله، قال ابن جريج: فتمثل له إبليس وأخذ طيراً فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلّمه القتل، فرضخ قابيل رأس هابيل بين حجرين، قيل: قتل وهو مستسلم، وقيل: اغتاله وهو في النوم فشدخ رأسه فقتله، وذلك قوله تعالى: {فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة.

واختلفوا في موضع قتله [قيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم فَاسْوَدَّ جسم القاتل وسأله آدم عليه السلام عن أخيه فقال لم أكن عليه وكيلاً فقال: بل قتلته ولذلك اسودَّ جسدك، مكث آدم مائة سنة لم يضحك قط منذ قتله].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: على جبل [ثور]، وقيل: عند عقبة حراء، فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، وقصدته السباع، فحمله في جراب على ظهره أربعين يوماً، وقال ابن عباس: سنةً، حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكّن له ثم ألقاه في الحفرة وواراه، وقابيل ينظر إليه.