التفاسير

< >
عرض

مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
١٨
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ
١٩
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ
٢٠
وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ
٢١
لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ
٢٢
وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ
٢٣
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
٢٤

معالم التنزيل

{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ}، ما يتكلم من كلام فيلفظه أي: يرميه من فيه، {إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ}، حافظ، {عَتِيدٌ}، حاضر أينما كان. قال الحسن: إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه.

وقال مجاهد يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه. وقال عكرمة: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه.

وقال الضحاك: مجلسهما تحت الضرس على الحنك، ومثله عن الحسن، وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد الدينوري، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا الفضل بن عباس بن مهران، حدثنا طالوت حدثنا حماد ابن سلمة أخبرنا جعفر بن الزبير عن القاسم بن محمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر"

{وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ}، غمرته وشدته التي تغشى الإِنسان وتغلب على عقله، {بِالْحَقِّ}، أي بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإِنسان ويراه بالعَيان. وقيل: بما يؤول إليه أمر الإِنسان من السعادة والشقاوة. ويقال: لمن جاءته سكرة الموت، {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}، تميل، قال الحسن: تهرب. وقال ابن عباس: تكره، وأصل الحَيْد الميل، يقال: حدتُ عن الشيء أحِيد حَيْداً ومَحِيداً إذا ملتُ عنه.

{وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ}، يعني نفخة البعث، {ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ}، أي: ذلك اليوم يوم الوعيد الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه. قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب، أي: يوم وقوع الوعيد.

{وَجَآءَتْ}، ذلك اليوم، {كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ}، يسوقها إلى المحشر، {وَشَهِيدٌ}، يشهد عليها بما عملت، قال الضحاك: السائق من الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. وقال الآخرون: هما جميعاً من الملائكة، فيقول الله: {لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا}، اليوم في الدنيا، {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ}، الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك، {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}، نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وروي عن مجاهد قال: يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك.

{وَقَالَ قَرِينُهُ}، المَلَك الموكل به، {هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ}، مُعَدّ محضر، وقيل: "ما" بمعنى (من)، قال مجاهد: يقول هذا الذي وكلتني به من ابن آدم حاضر عندي قد أحضرته وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله عزّ وجلّ لقرينه:

{أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ}، هو خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، تقول: ويحك ويلك ارحلاها وازجراها وخذاها وأطلقاها، للواحد، قال الفرَّاء: وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم في الشعر للواحد خليليَّ. وقال الزجَّاج: هذا أمر للسائق والشهيد، وقيل: للمتلقيين. {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ}، عاصٍ معرض عن الحق. قال عكرمة ومجاهد: مجانب للحق معاند لله.