التفاسير

< >
عرض

ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٣
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٤
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٥
ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
١٦
لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١٧
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ
١٨
ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ
١٩
إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ
٢٠
كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
٢١
-المجادلة

معالم التنزيل

{ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ}، قال ابن عباس: أبخلتم؟ والمعنى: أخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم، {بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ فَإِذ لَمْ تَفْعَلُوا}، ما أُمرتم به، {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ}: تجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل: "الواو" صلة, مجازه: فإن لم تفعلوا تاب الله عليكم ونسخ الصدقة. قال مقاتل بن حيان: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰة}، المفروضة، {وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰة}، الواجبة، {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}، نزلت في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم. وأراد بقوله: {غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} اليهود، {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ}، يعني المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاءة ولا من اليهود والكافرين، كما قال: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ } [النساء: 143].

{وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُون}, قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، "فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حُجَره إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان, فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه" ، فأنزل الله عزّ وجل هذه الآيات، فقال: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كَذَبَة.

{أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَـٰنَهُم}، الكاذبة، {جُنَّةً}، يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم، {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، صدوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم، {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

{لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ}، يوم القيامة، {أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ}، كاذبين ما كانوا مشركين، {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُم}، في الدنيا، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ} من أيمانهم الكاذبة، {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُون}.

{ٱسْتَحْوَذَ}، غلب واستولى، {عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَـٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ فِى ٱلأَذَلِّينَ}، الأسفلين. أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة.

{كَتَبَ ٱللَّهُ}، قضى الله قضاءاً ثابتاً، {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عزيزٌ}، نظيره قوله: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُم المَنْصُورُون } [الصافات:71 - 72]، قال الزجاج: غلبة الرسل على نوعين من بعث منهم بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة.