التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ
٢
وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ
٣
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٤
مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ
٥
-الحشر

معالم التنزيل

قوله عزَّ وجلّ: {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ}، يعني بني النضير، {مِن دِيَـٰرِهِمْ}، التي كانت بيثرب، قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان. {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ}، قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عزّ وجلّ قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا.

قال ابن عباس: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية, فكان هذا أول حشر إلى الشام، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا, قالوا إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر ثم" ، يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام.

وقال الكلبي: إنما قال: "لأول الحشر" لأنهم كانوا أول من أجلى من أهل الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قال مرة الهمداني: كان أول الحشر من المدينة, والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من الشام في أيام عمر.

وقال قتادة: كان هذا أول الحشر, والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا.

{مَا ظَنَنتُمْ}، أيها المؤمنون {أَن يَخْرُجُواْ}، من المدينة لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ونخيل كثيرة، {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ}، أي وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله، {فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ}، أي أمر الله وعذابه، {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ}، وهو أنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}، بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.

{يُخْرِبُونَ}، قرأ أبو عمرو: بالتشديد, والآخرون بالتخفيف, ومعناهما واحد، {بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِين}, قال الزهري: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالحهم على أن لهم ما أقلَّت الإبل، كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم فيهدمونها وينزعون منها ما يستحسنونه فيحملونه على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها.

قال ابن زيد: كانوا يقلعون العُمُد, وينقضون السقوف, وينقبون الجدران, ويقلعون الخشب حتى الأوتاد, يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسداً منهم وبغضاً.

قال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ويخربها اليهود من داخلها.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم في أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله عزّ وجلّ: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ}، فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم، {يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ}، يا ذوي العقول والبصائر.

{وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ}، الخروج من الوطن، {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا}، بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة، {وَلَهُمْ فِى ٱلآَخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ * ذَلِك}، الذي لحقهم، {بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

{مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ}، الآية. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح! أفمِنَ الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم, وخشوا أن يكون ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك, فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم.

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا آدم, حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر قال: حرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع وهي البويرة: فنزلت:

{مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ}, أخبر الله في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه فبإذن الله، {وَلِيُخْزِىَ الفَاسِقِين}.

واختلفوا في "اللِّيْنَةِ", فقال قوم: النخل كلها لينة ما خلا العجوة، وهو قول عكرمة وقتادة. ورواه زاذان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمرة: الألوان, واحدها لون ولينة.

وقال الزهري: هي ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية.

وقال مجاهد وعطية: هي النخل كلها من غير استثناء. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم: هي لون من النخل. وقال سفيان: هي كرام النخل.

وقال مقاتل: هي ضرب من النخل يقال لثمرها اللَّون، وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارج يغيب فيها الضرس، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة منها ثمنها ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف، فلما رأوهم يقطعونها شق ذلك عليهم وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد في الأرض وأنتم تفسدون دعوا هذا النخل قائماً هو لمن غلب عليها، فأخبر الله تعالى أن ذلك بإذنه.