التفاسير

< >
عرض

وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
١٢٦
لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢٧
وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ
١٢٨
-الأنعام

معالم التنزيل

قوله عزّ وجلّ: {وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً}، [أي: هذا الذي بيّنا. وقيل: هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيماً] لا عوج فيه وهو الإسلام. {قَدْ فَصَّلْنَا ٱالأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}.

{لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ}، يعني: الجنّة، قال أكثر المفسّرين: السلام هو الله وداره الجنّة. وقيل: السلام هو السلامة، [أي: لهم دار السلامة] من الآفات، وهي الجنة. وسميت دار السلام لأن كل من دخلها سَلِمَ من البلايا والرزايا.

وقيل: سمّيت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، فقال في الابتداء: { ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ } [الحجر: 46]، { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم } [الرعد: 23-24]، وقال: { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً } [الواقعة: 25-26]، وقال: { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } [إبراهيم: 23] { سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } } [يس: 58]، {وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، قال [الحسين] بن الفضل: يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء.

قوله عزّ وجلّ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ}، قرأ حفص: {يحشرهم} بالياء، {جَمِيعاً}، يعني: الجنّ والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول: {يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ}، والمراد بالجن: الشياطين، {قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلإِنْسِ}، أي: استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء، أي: أضللتم كثيراً، {وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ}، يعني: أولياء الشياطين الذين أطاعوهم من الإنس، {رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}.

قال الكلبي: استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قَفْرٍ خاف على نفسه من الجن، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جوارهم.

وأما استمتاع الجن بالإنس: هو أنهم قالوا قد سِدْنَا الإنس مع الجن، حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفاً في قومهم وعِظَماً في أنفسهم؛ وهذا كقوله تعالى: { { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً } } [الجن: 6].

وقيل: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يُلْقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، وتسهيل سبيلها عليهم، واستمتاع الجنّ بالإنس طاعة الإنس لهم فيها يزيّنون لهم من الضلالة والمعاصي.

قال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم بعضاً وموافقة بعضهم [لبعض].

{وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىۤ أَجَّلْتَ لَنَا}، يعني: القيامة والبعث، {قَالَ} الله تعالى: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ}، مقامكم، {خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}.

اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله: { { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } } [هود: 107].

قيل: أراد إلاّ قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني: هم خالدون في النار إلاّ هذا المقدار.

وقيل: الاستثناء يرجع إلى العذاب.وهو قوله: {ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ}، أي: خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب.

وقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، و "ما" بمعنى "من" على هذا التأويل، {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، قيل: عليم بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البِرِّ والتقوى.