التفاسير

< >
عرض

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ
١٤٧
سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ
١٤٨
-الأنعام

معالم التنزيل

{فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ}، بتأخير العذاب عنكم، {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ}، [عذابه] {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} إذا جاء وقتُه.

{سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}، لمّا لزمتهم الحجة وتيقّنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرّمه الله [قالوا]: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلآ آبَآؤُنَا}، من قبل، {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ}، من البحائر والسوائب وغيرهما، أرادوا أن يجعلوا قولهم: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا}، حجةً لهم على إقامتهم على الشرك، وقالوا: إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منّا وأمرَنَا بِهِ لَحَالَ بيننا وبين ذلك، فقال الله تعالى تكذيباً لهم: {كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، من كفار الأمم الخالية، {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا}، عذابنا.

ويستدل أهل القدر بهذه الآية، يقولون: إنهم لما قالوا: لو شاء الله ما أشركنا كذّبهم الله وردّ عليهم، فقال: {كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}.

قلنا: التكذيب ليس في قولهم "لو شاء الله ما أشركنا"، بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف: { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } [الأعراف: 28]، فالردّ عليهم في هذا كما قال: { { قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ } } [الأعراف: 28].

والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: "لو شاء الله ما أشركنا"، قوله: {كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، بالتشديد ولو كان ذلك خبراً من الله عزّ وجلّ عن كذبهم في قولهم: {لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا}، لقال كذلك كذب الذين [من قبلهم] بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب، وقال الحسن بن الفضل: لو ذكروا هذه المقالة تعظيماً وإجلالاً لله عزّ وجلّ، ومعرفة منهم به لما عابهم بذلك؛ لأنّ الله تعالى قال:{ولو شاء اللهُ ما أشركوا}، وقال: { { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ } } [الأنعام: 111]، والمؤمنون يقولون ذلك، ولكنهم قالوه تكذيباً وتخرصاً وجدلاً من غير معرفة بالله وبما يقولون، نظيره قوله عزّ وجلّ: { { وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } } [الزخرف: 20]، قال الله تعالىٰ: { { مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } } [الزخرف: 20].

وقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا يعدونه عذراً لأنفسهم ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، وردّ عليهم في هذا لأنّ أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته، فإنهُ مريدٌ لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون لا عذراً لأحد.

{قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ}، أي: كتاب وحجة من الله، {فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ}، حتى يظهر ما تدَّعون على الله تعالى من الشرك أو تحريم ما حرمتم، {إِن تَتَّبِعُونَ}، ما تتبعون فيما أنتم عليه، {إِلاَّ ٱلظَّنَّ}، من غير علم ويقين، {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ}، تكذبون.