التفاسير

< >
عرض

أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ
٩٠
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
٩١
-الأنعام

معالم التنزيل

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} أي: هداهم الله، {فَبِهُدَاهُمُ}، فبسنتهم وسيرتهم، {ٱقْتَدِهْ}، الهاء فيها هاء الوقف، وحذف حمزة والكسائي ويعقوب الهاء في الوصل، والباقون بإثباتها وصلاً ووقفاً، وقرأ ابن عامر: {اقتدهِ} بإشباع الهاء كسراً، {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ}، ما هو، {إِلاَّ ذِكْرَىٰ}، أي: تذكرة وعِظَة، {لِلْعَـٰلَمِينَ}.

قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}، أي: ما عظّموه حق عظمته، وقيل: ما وصفوه حق وصفه، {إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ}، قال سعيد بن جبير: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصَّيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين" ، وكان حبراً سميناً فغضب، فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء.

وقال السدي: نزلت في فنحاص بن عازوراء، وهو قائل هذه المقالة.

وفي القصة: أنّ مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه، وقالوا: أليس أن الله أنزل التوراة على موسى؟ فلِمَ قلتَ ما أنزل الله على بشر من شيء؟ فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد فقلتُ ذلك، فقالوا له: وأنت إذاً غضبت تقول [على الله] غير الحق فنزعوه من الحبرية، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتاباً؟ قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، فأنزل الله: {وما قدّرُوا اللَّهَ حقَّ قدره إذْ قالوا ما أنزلَ اللّهُ على بشرٍ من شيء}" ، فقال اللَّهُ تعالى: {قُلْ}، لهم، {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ}، يعني: التوراة، {تَجْعَلُونَهُ قَرَٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً}، أي: تكتبون عنه دفاتر وكتباً مقطعة تبدونها، أي: تُبدون ما تُحبون وتُخفون كثيراً من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يجعلونه} {ويبدونها} {ويخفونها} بالياء جميعاً؛ لقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حقَّ قَدْرِهِ}، وقرأ الآخرون بالتاء؛ لقوله تعالى: {مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ}.

وقوله: {وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ}، [الأكثرون على أنها خطاب لليهود، يقول: عُلِّمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا]، {أَنتُمْ وَلآ ءَابَآؤُكُمْ}، قال الحسن: جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيّعوه ولم ينتفعوا به.

وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكّرهم النعمة فيما علّمهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

{قُلِ ٱللَّهِ}، هذا راجع إلى قوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ}، فإن أجابوك وإلاّ فقل أنت: الله، أي: قل أنزله الله، {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}.