التفاسير

< >
عرض

يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٧
وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٢٨
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
٢٩
-الأعراف

معالم التنزيل

{يَابَنِيۤ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي: لا يضلنّكم الشيطان، {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم}، أي: كما فتن أبويكم آدم وحواء فأخرجهما، {مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ}، أي: ليرى كل واحد سوأة الآخر. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ}، يعني أنّ الشيطان يراكم يا بني آدم، {هُوَ وَقَبِيلُهُ} جنوده، قال ابن عباس: هو وولده. وقال قتادة: قبيلة الجن والشياطين، {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، قال مالك بن دينار: إنّ عدواً يراكَ ولا تراه لشديد الخصومة والمؤنة إلاّ من عصم الله، {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ} قرناء وأعواناً، {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}، قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيّهم كما قال: { { أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } } [مريم: 83].

{وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً}، قال ابن عباس ومجاهد: هي طوافهم بالبيت عراة، وقال عطاء: الشرك. والفاحشة: اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح. {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَاءَنَا}، وفيه إضمار معناه: وإذا فعلوا فاحشة فَنُهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا. قيل: ومن أين أخذ آباؤكم؟ قالوا: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ}، قال ابن عباس: بِلاَ إلهَ إلاّ الله. وقال الضحاك: بالتوحيد. وقال مجاهد والسدي: بالعدل. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، قال مجاهد والسدي: يعني وجّهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال الضحاك: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلّوا فيه ولا يقولنّ أحدكم أصلي في مسجدي. وقيل: معناه اجعلوا سجودكم لله خالصاً. {وَٱدْعُوهُ}، واعبدوه، {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}، الطاعة والعبادة، {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}، قال ابن عباس: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال: { { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } } [التغابن: 2]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمناً وكافراً. قال مجاهد: يبعثون على ما ماتوا عليه.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي حدثنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنبأنا محمد بن عبدالله الصفار حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُبعث كلُّ عبدٍ على ما ماتَ عليه، المؤمن على إيمانه والكافر على كفره" .

وقال أبو العالية: عادوا على عمله فيهم. قال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.

قال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها وإن عمل بعمل أهل السعادة، كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاوة، كما أن السحرة كانت تعمل بعمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة.

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا عبدالرحمن بن أبي شريح أنبأنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ العبد يعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناسُ بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنّة، وإنما الأعمال بالخواتيم" .

وقال الحسن ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون أحياء يوم القيامة كما قال الله تعالى: { { كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } } [الأنبياء: 104]، قال قتادة: بدأهم من التراب وإلى التراب يعودون، نظير قوله تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } [طه: 25].