التفاسير

< >
عرض

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً
١٢
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً
١٣
وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً
١٤
وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً
١٥
وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً
١٦
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً
١٧
-الجن

معالم التنزيل

{وَأَنَّا ظَنَنَّآ}، علمنا وأيقنا، {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلأَرْضِ}، أي: لن نفوته إن أراد بنا أمراً، {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً}، إن طلبنا.

{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ}، القرآن وما أتى به محمد، {ءَامَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً}، نقصاناً من عمله وثوابه، {وَلاَ رَهَقاً}، ظلماً. وقيل: مكروهاً يغشاه.

{وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ}، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَمِنَّا ٱلقَـٰسِطُون}، الجائرون العادلون عن الحق. قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله نداً، يقال: أقسط الرجل إذا عدل فهو مقسط، وقسط إذا جار فهو قاسط, {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً}، أي قصدوا طريق الحق وتوخَّوه.

{وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ}، الذين كفروا، {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}، كانوا وقود النار يوم القيامة. ثم رجل إلى كفار مكة فقال:

{وَأَن لَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ}، اختلفوا في تأويلها، فقال قوم: لو استقاموا على طريقة الحق والإيمان والهدى فكانوا مؤمنين مطيعين، {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّآءً غَدَقاً}، كثيراً، قال مقاتل: وذلك بعدما رُفع عنهم المطر سبع سنين. وقالوا معناه لو آمنوا لَوسّعنا عليهم في الدنيا وأعطيناهم مالاً كثيراً وعيشاً رغداً، وضرب الماء الغدق مثلاً, لأن الخير والرزق كله في المطر، كما قال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ } [المائدة: 66]. وقال: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [الأعراف: 96].

وقوله تعالى: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}، أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيما خُوِّلوا. وهذا قول سعيد ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل والحسن.

وقال آخرون: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم مالاً كثيراً, ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه عقوبةً لهم واستدراجاً حتى يفتتنوا بها فنعذبهم، وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان، كما قال الله: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ } الآية [الأنعام: 44].

{وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ}، قرأ أهل الكوفة ويعقوب: "يسلكه" بالياء، وقرأ الآخرون بالنون، أي: ندخله، {عَذَاباً صَعَداً}، قال ابن عباس: شاقاً، والمعنى ذا صعد, أي: ذا مشقة. قال قتادة: لا راحة فيه. وقال مقاتل: لا فرح فيه. قال الحسن: لا يزداد إلا شدة. والأصل فيه أن الصعود يشق على الناس.