التفاسير

< >
عرض

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً
١٩
وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً
٢٠
عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً
٢١
إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً
٢٢
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ تَنزِيلاً
٢٣
فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً
٢٤
-الإنسان

معالم التنزيل

{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً}، قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ وحسنه, واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط، كان أحسن منه منظوماً. وقال أهل المعاني: إنما شُبِّهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، فلو كانوا صفاً لشبهوا بالمنظوم.

{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ}، أي إذا رأيت ببصرك ونظرت به ثَمَّ يعني في الجنة، {رَأَيْتَ نَعِيماً}، لا يوصف، {وَمُلْكاً كَبِيراً}، وهو أن أدناهم منزلة ينظر إلى ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه. قال مقاتل والكلبي: هو أن رسول ربِّ العزة من الملائكة لا يدخل عليه إلا بإذنه. وقيل: مُلكاً لا زوال له.

{عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ}، قرأ أهل المدينة وحمزة: "عاليْهِم" ساكنة الياء مكسورة الهاء، فيكون في موضع رفع بالابتداء، وخبره: ثياب سندس، وقرأ الآخرون بنصب الياء وضم الهاء على الصفة، أي فوقهم وهو نصب على الظرف {ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ}، قرأ نافع وحفص {خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} مرفوعاً عطفاً على الثياب، وقرأهما حمزة والكسائي مجرورين، وقرأ ابن كثير وأبو بكر "خضرٍ" بالجر "واستبرقٌ" بالرفع، وقرأ أبو جعفر وأهل البصرة والشام على ضده فالرفع على نعت الثياب والجر على نعت السندس. وإستبرق بالرفع على أنه معطوف على وثيابُ إستبرقٍ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله "وأسألِ القرية" أي أهل القرية، ومثله قوله: خز أي ثوب خز, وأما جر إستبرق فعلى أنه معطوف على سندس وهو جر بإضافة الثياب إليه, وهما جنسان أضيفت الثياب إليهما كما تقول: ثوب خز وكتان فتضيفه إلى الجنسين.

{وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}، قيل: طاهراً من الأقذار والأقذاء لم تدنسه الأيدي والأرجل كخمر الدنيا.

وقال أبو قلابة وإبراهيم: إنه لا يصير بولاً نجساً ولكنه يصير رشحاً في أبدانهم، ريحه كريح المسك، وذلك أنهم يؤتون بالطعام, فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحاً يخرج من جلدوهم ريحاً أطيب من المسك الإذفر، وتضمر بطونهم وتعود شهوتهم.

وقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد.

{إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً}, أي ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم وكان سعيكم عملكم في الدنيا بطاعة الله مشكوراً، قال عطاء: شكرتم عليه فأثيبكم أفضل الثواب.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ تَنزِيلاً}، قال ابن عباس: متفرقاً آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة.

{فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ}، يعني من مشركي مكة، {ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً}، يعني وكفوراً، والألف صلة.

قال قتادة: أراد بالآثم الكفور أبا جهل وذلك أنه لما فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها، وقال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأنّ عنقه.

وقال مقاتل: أراد بـ "الآثم": عتبة بن ربيعة، وبـ "الكفور" الوليد بن المغيرة، قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال فارجع عن هذا الأمر، قال عتبة: فأنا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر، فأنزل الله هذه الآية.