التفاسير

< >
عرض

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ
٥
يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ
٦
وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ
٧
-الأنفال

معالم التنزيل

قوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ}، اختلفوا في الجالب لهذه الكاف التي في قوله {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}، قال المبرد: تقديره الأنفال لله وللرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: تقديره: امضِ لأمر الله في الأنفال وإن كرهوا كما أمضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون.

وقال عكرمة: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم، كما أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق خير لكم، وإن كرهه فريق منكم.

وقال مجاهد: معناه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم، كذلك يكرهون القتال ويجادلون فيه.

وقيل: هو راجع إلى قوله: "لهم درجات عند ربهم"، تقديره: وَعْدُ [الله] الدرجات لهم حقٌّ ينجزه الله عزّ وجلّ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فأنجز الوعد بالنصر والظفر.

وقيل: الكاف بمعنى على، تقديره: امضِ على الذي أخرجك ربّك.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى القسم مجازاً والذي أخرجك، لأن "ما" في موضع الذي، وجوابه "يجادلونك"، وعليه يقع القسم، تقديره: يجادلونك والله الذي أخرجك ربّك من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى "إذ" تقديره: واذكرْ إذْ أخرجك ربّك.

وقيل: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة. والأكثرون على أن المراد منه إخراجه من المدينة إلى بدر، أي: كما أمرك ربك بالخروج من بيتك إلى المدينة بالحق، قيل: بالوحي لطلب المشركين، {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، منهم، {لَكارِهُونَ}.

{يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ}، أي: في القتال، {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ}، وذلك أن المؤمنين لمّا أيقنوا القتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم تُعْلمْنَا أنا نلقى العدو فنستعدّ لقتالهم، وإنّما خرجنا للعير، فذلك جدالهم بعدما تبين لهم أنك ما تصنع إلاّ ما أمرك، وتبين صدقك في الوعد، {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} لشدّة كراهيتهم القتال، {وَهُمْ يَنظُرُونَ}، فيه تقديم وتأخير، تقديره: وإنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون يجادلونك في الحق بعدما تبيّن. قال ابن زيد: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهيتهم إيّاه وهم ينظرون.

قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}، قال ابن عباس وابن الزبير ومحمد بن إسحاق والسدي: أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش في أربعين راكباً من كفار قريش فيهم: عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل الزهري، وفيها تجارة كثيرة، وهي اللطيمة حتى إذا كانوا قريباً من بدر، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فندب أصحابه إليه وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدد، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجُوا إليها لعلّ الله أن يُنفِلْكُموها، فانتدب الناسَ فخفّ بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنّوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً.

فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعاً إلى مكة.

وقد رأت عاتكة بنت عبدالمطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤياً أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شرّ ومصيبة، فاكتمْ عليّ ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غُدُر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مَثُل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فِلْقَة.

فقال العباس: والله إنّ هذه لرؤيا رأيت! فاكتميها ولا تذكريها لأحد.

ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبدشمس، وكان له صديقاً فذكرها له واستكتمه إيّاها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.

قال العباس: فغدوتُ أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، قال: فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدَّثت هذه البينة فيكم؟

قلت: وما ذاك؟

قال: الرؤيا التي رأت عاتكة؟

قلت: وما رأت؟

قال: يا بني عبدالمطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك ما قالت حقاً فسيكون، وإنْ تمضِ الثلاث، ولم يكن من ذلك شيئاً نكتبْ عليكم كتاباً إنكم أكذب أهل بيت في العرب.

فقال العباس: والله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئاً، ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبدالمطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟

قال: قلت والله قد فعلت ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضنّ له فإن عاد لأكفينَّكه.

قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، قال: فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلاً خفيفاً، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ.

قال: قلت في نفسي: ما لَه لعنه الله؟ أكلُّ هذا فرقاً مني أن أشاتمه؟ قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوتَ ضمضم بن عمرو، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع أنف بعيره وحوَّل رجله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمّدٌ في أصحابه، ولا أرى أن تدركوها، الغوثَ الغوثَ. قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهّز الناس سراعاً فلم يتخلّف من أشراف قريش أحد إلاّ أن أبا لهب قد تخلّف وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة.

فلما اجتمعت قريش للمسير ذكرتْ الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة بن الحارث، فقالوا: نخشى أن يأتوننا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم. فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر، وقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه.

فخرجوا سراعاً، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، في ليالٍ مضت من شهر رمضان، حتى إذا بلغ وادياً يقال له ذَفِران، فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء أخذ عيناً للقوم فأخبره بهم.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً عيناً له من جهينة حليفاً للأنصار يدعى عبدالله بن أريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إمّا العير وإما قريشاً، وكانت العير أحبّ إليهم. فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امْضِ لِما أراك الله فنحن معك، فوالله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهبْ أنت وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعني مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا عليّ أيها الناس" ، وإنّما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءَنا ونساءَنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوَّف أن لا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.

فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لَكأنّك تريدنا يا رسول الله؟

قال: أجل،

قال: قد آمنّا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهوداً ومواثيق على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً إنّا لصبرٌ عند الحرب صدق في اللقاء، ولعلّ الله تعالى يُريك منّا ما تقرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله، فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشّطه ذلك، ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" .

قال ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان" ، قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وهاهنا، قال: فما ماط أحدٌ عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: "وإذْ يعدكمُ الله إحدَى الطائفتين أنَها لكم"، أي: الفريقين إحداهما أبو سفيان مع العير والأخرى أبو جهل مع النفير.

{وَتَوَدُّونَ}، أي: تريدون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}، يعني العير التي ليس فيها قتال. والشوكة: الشدّة والقوة. ويقال: السلاح.

{وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ}، أي: يُظهره ويُعليه، {بِكَلِمَـٰتِهِ}، بأمره إيّاكم بالقتال. وقيل: بعِدَاتِه التي سبقت من إظهاره الدين وإعزازه، {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، أي: يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد، يعني: كفار العرب.