التفاسير

< >
عرض

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ
٧١
-يونس

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

تقدم في الأعراف الكلام على لفظة {نوح } و" المقام " وقوف الرجل لكلام أو خطبة أو نحوه، و"المُقام" بضم الميم إقامته ساكناً في موضع أو بلد، ولم يقرأ هنا بضم الميم و " تذكيره ": وعظه وزجره، والمعنى: يا قوم إن كنتم تستضعفون حالي ودعائي لكم إلى الله فإني لا أبالي عنكم لتوكلي على الله تعالى فافعلوا ما قدرتم عليه، وقرأ السبعة وجهور الناس وابن أبي إسحاق وعيسى: " فأجمعوا " من أجمع الرجل على الشيء إذا عزم عليه ومنه قول الشاعر: [الكامل ]

هل أغدونْ يوماً وأمر مجمع

ومنه قول الآخر: [الخفيف ]

أجمعوا أمرهم بليلِ فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء

ومنه الحديث ما لم يجمع مكثاً ومنه قول أبي ذؤيب: [ الكامل ]

ذكر الورود بها فأجمع أمرَهُ شوقاً وأقبلَ حينه يتتبع

وقرأ نافع فيما روى عنه الأصمعي وهي قراءة الأعرج وأبي رجاء وعاصم الجحدري والزهري والأعمش " فاجمَعوا " بفتح الميم من جمع إذا ضم شيئاً إلى شيء، و {أمركم } يريد به قدرتكم وحياتكم ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى: { فتولى فرعون فجمع كيده } [طه: 60] وكل هؤلاء نصب "الشركاء"، ونصب قوله: {شركاءكم }، يحتمل أن يعطف على قوله {أمركم }، وهذا على قراءة " فاجمعوا " بالوصل، وأما من قرأ: "فأجمعوا" بقطع الألف فنصب "الشركاء" بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شركاءكم فهو من باب قول الشاعر: [ المتقارب ]

شراب اللبان وتمر وأقط

ومن قول الآخر: [مجزوء الكامل مرفل]

ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحا

ومن قول الآخر: [ الرجز ]

علفتها تبناً وماء بارداً حتى شَأت همالة عيناها

وفي مصحف أبي بن كعب: "فأجمعوا وادعوا شركاءكم"، قال أبو علي: وقد ينتصب "الشركاء" بواو " مع "، كما قالوا جاء البريد والطيالسة، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب وأبو عمرو فيما روي عنه " وشركاؤكم " بالرفع عطفاً على الضمير في {أجمعوا}، وعطف على الضمير قبل تأكيده لأن الكاف والميم في {أمركم } ناب مناب أنتم المؤكد للضمير، ولطول الكلام أيضاً، وهذه العبارة أحسن من أن يطول الكلام بغير ضمير، ويصح أن يرتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره وشركاؤهم فليجمعوا، وقرأت فرقة " وشركائكم " بالخفض على العطف على الضمير في قوله: {أمركم }، التقدير وأمر شركائكم، فهو كقول الشاعر [العجّاج ]:

أكل امرىء تحسبين أمرأً ونار توقد بالليل نارا

أي وكل نار، والمراد بالشركاء في هذه الآية الأنداد من دون الله، فأضافهم إليهم إذ يجعلونهم شركاء بزعمهم، وقوله {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة }، أي ملتبساً مشكلاً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الهلال، " "فإن غم عليكم" " ومنه قول الراجز:

ولو شهدت الناس إذا تكمّوا بغمة لو لم تفرجْ غمّوا

وقوله {ثم اقضوا إلي } ومعناه أنفذوا قضاءكم نحوي، وقرأ السدي بن ينعم: " ثم أفضوا " بالفاء وقطع الألف، ومعناه: أسرعوا وهو مأخوذ من الأرض الفضاء أي اسلكوا إلي بكيدكم واخرجوا معي وبي إلى سعة وجلية، وقوله {ولا تنظرون } أي لا تؤخرون والنظرة التأخير.