التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ
٤٢
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ
٤٣
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ
٤٤
-إبراهيم

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذه الآية بجملتها فيها وعيد للظالمين، وتسلية للمظلومين، والخطاب بقوله: {تحسبن} لمحمد عليه السلام، والمراد بالنهي غيره ممن يليق به أن يحسب مثل هذا.
وقرأ طلحة بن مصرف "ولا تحسب الله غافلاً" بإسقاط النون، وكذلك "ولا تحسب الله مخلف وعده" [إبراهيم: 47] وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن والأعرج: "نؤخرهم" بنون العظمة. وقرأ الجمهور: "يؤخرهم" بالياء، أي الله تعالى.
و {تشخص} معناه: تحد النظر لفزع ولفرط ذلك بشخص المحتضر، و"المهطع" المسرع في مشيه - قاله ابن جبير وقتادة.
قال القاضي أبو محمد: وذلك بذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه - وهذا هو أرجح الأقوال - وقد توصف الإبل بالإهطاع على معنى الإسراع وقلما يكون إسراعها إلا مع خوف السوط ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر: [الكامل]

بمهطع سرج كأن عنانه في رأس جذع من أوال مشذب

ومن ذلك قول عمران بن حطان: [البسيط]

إذا دعانا فأهطعنا لدعوته داع سميع فلونا وساقونا

ومنه قول ابن مفرغ: [الوافر]

بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع

ومن ذلك قول الآخر: [الطويل]

بمستهطع رسل كأن جديله بقيدوم رعد من صوام ممنع

وقال ابن عباس وأبو الضحى: الإهطاع شدة النظر من غير أن يطرف وقال ابن زيد "المهطع": الذي لا يرفع رأسه. قال أبو عبيدة: وقد يكون الإهطاع الوجهين جميعاً الإسراع وإدامة النظر، و"المقنع" هو الذي يرفع رأسه قدماً بوجهه نحو الشيء، ومن ذلك قول الشاعر: [الشماخ] [الوافر]

يباكرن العضاة بمقنعات نواجذهن كالحدأ الوقيع

يصف الإبل بالإقناع عند رعيها أعالي الشجر.
وقال الحسن في تفسير هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. وذكر المبرد - فيما حكي عن مكي - أن الإقناع يوجد في كلام العرب بمعنى خفض الرأس من الذلة.
قال القاضي أبو محمد: والأول أشهر.
وقوله: {لا يرتد إليهم طرفهم} أي لا يطوفون من الحذر والجزع وشدة الحال، وقوله: {وأفئدتهم هواء} تشبيه محض، لأنها ليست بهواء حقيقة، وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فرغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة، فهي منخرقة مشبهة الهواء في تفرغه من الأشياء وانخراقه، ويحتمل أن يكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صدورهم وأنها تجيء وتذهب وتبلغ على ما روي - حناجرهم - فهي في ذلك كالهواء الذي هو أبداً في اضطراب.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هاتين الجهتين يشبه قلب الجبان وقلب الرجل المضطرب في أموره بالهواء، فمن ذلك قول الشاعر: [الطويل]

ولا تكن من أخدان كل يراعة هواء كسقب الناب جوفاً مكاسره

ومن ذلك قول حسان: [الوافر]

ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء

ومن ذلك قول زهير: [الوافر]

كأن الرحل منه فوق صعل من الظلمان جوجؤه هواء

فالمعنى: أنه في غاية الخفة في إجفاله.
وقوله تعالى: {وأنذر الناس} الآية، المراد بـ {يوم} يوم القيامة ونصبه على أنه مفعول بـ {أنذر} ولا يجوز أن يكون ظرفاً، لأن القيامة ليست بموطن إنذار، وقوله: {فيقول} رفع عطفاً على قوله: {يأتيهم} وقوله: {ولم تكونوا} إلى آخر الآية، معناه: يقال لهم، فحذف ذلك إيجازاً، إذ المعنى يدل عليه، وقوله: {ما لكم من زوال} هو المقسم عليه نقل المعنى، و {من زوال} معناه من الأرض بعد الموت. أي لا بعث من القبور، وهذه الآية ناظرة إلى ما حكى عنهم في قوله:
{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } [النحل: 38].