التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً
٣٧
كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
٣٨
ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً
٣٩
أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً
٤٠
-الإسراء

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قرأ الجمهور "مرَحاً" بفتح الراء مصدر من مرَح يمرَح إذا تسبب مسروراً بدنياه مقبلاً على راحته، فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولاً، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فَقَصْرُكَ نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية والمراد الناس كلهم.
قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزهاً دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب "مرِحاً" بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله {لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً} أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحاً، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحاً فيترتب في "المرِح" بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، وخرق الأرض قطعها، والخرق الواسع من الأرض ومنه قول الشاعر: [المتقارب]

وخرق تجاوزت مجهوله بوجناء خرق تشكى الكلالا

ويقال لثقب الأرض، وليس هذا المعنى في الآية، ومنه قول رؤبة بن العجاج:

وقاتم الأعماق خاوي المخترق

وقرأ الجراح الأعرابي "تخرُق" بضم الراء، وقال أبو حاتم: لا تعرف هذه اللغة، وقوله تعالى: {كل ذلك كان سيئه} الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وأبو جعفر والأعرج "سيئة"، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق "سيئه" على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيىء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ "سيئه" بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين: وسيىء اسم {كان} و {مكروهاً} خبرها، وأما من قرأ "سيئة" فهي الخبر لـ {كان}، واختلف الناس في إعراب قوله {مكروهاً}، فقالت فرقة هو خبر ثان لـ {كان} حمله على لفظ كل، و"سيئة" محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل، وقال بعضهم هو نعت لـ {سيئة} لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر.
قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو علي الفارسي هذا، وقال إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده وفقه، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى أن قول الشاعر: [المتقارب].

فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها

مستقبح عندهم، ولو قال قائل، أبقل أرض لم يكن قبيحاً، قال أبو علي ولكن يجوز في قوله {مكروهاً} أن يكون بدلاً من {سيئة}، قال ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في قوله {عند ربك} ويكون قوله {عند ربك} في موضع الصفة لـ {سيئة}، وقرا عبد الله بن مسعود "كان سيئاته"، وروي عنه "كان سيئات" بغير هاء، وروي عنه "كان خبيثة"، وذهب الطبري إلى أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولاً: { { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } [الإسراء: 23] وليس ذلك بالبين، قوله {ذلك مما أوحى إليك ربك} الآية. الإشارة بـ {ذلك} إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن الأخلاق، و {الحكمة} قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة، ثم عطف قوله {ولا تجعل} على ما تقدم من النواهي، والخطاب للنبي عليه السلام، والمراد كل من سمع الآية من البشر، و"المدحور"، المهان المبعد، وقوله {أفأصفاكم} الآية، خطاب للعرب التي كانت تقول الملائكة بنات الله، فقررهم الله على هذه الحجة، أي أنتم أيها البشر لكم الأعلى من النسل ولله الإناث؟ فلما ظهر هذا التباعد الذي في قولهم عظم الله عليهم فساد ما يقولونه وشنعته، ومعناه عظيماً في المنكر والوخامة، و"أصفاكم" معناه جعلكم أصحاب الصفوة، وحكى الطبري عن قتادة عن بعض أهل العلم أنه قال: نزلت هذه الآية في اليهود لأنهم قالوا هذه المقالة من أن الملائكة بنات الله.
قال القاضي أبو محمد: والأول هو الذي عليه جمهور المفسرين.