التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً
٤٨
لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً
٤٩
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً
٥٠
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً
٥١
فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً
٥٢
-الفرقان

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قرأت فرقة "الرياح"، وقرأت فرقة "الريح" على الجنس، فهي بمعنى الرياح وقد نسبنا القراءة في سورة الأعراف وقراءة الجمع أوجه لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة فإنما هي رياح، لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرق وتأتي لينة من ها هنا وها هنا، وشيئاً إثر شيء، وريح العذاب خرجت لا تتداءب وإنما تأتي جسداً واحداً، ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه، قال الرماني جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح الجنوب والصبا والشمال وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور.
قال القاضي أبو محمد: يرد على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً، واختلف القراء في "النشر"، في النون والباء وغير ذلك اختلافاً قد ذكرناه في سورة الأعراف، و {نشراً} معناه منتشرة متفرقة و"الطهور" بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضته في ماء السماء وفي كل ما هو منه وبسبيله أن يكون طاهراً مطهراً وفيما كثرت فيه التغايير، كماء الورد وعصير العنب أن يكون طاهراً ولا مطهراً، ووصف "البلدة" بـ"الميت" لأنه جعله كالمصدر الذي يوصف به المذكر والمؤنث وجاز ذلك من حيث البلدة بمعنى البلد، وقرأ طلحة بن مصرف "لننشىء به بلدة ونُسقيه" بضم النون وهي قراءة الجمهور ومعناه نجعله لهم سقياً، هذا قول بعض اللغويين في أسقى قالوا وسقى معناه للشفة، وقال الجمهور سقى وأسقى بمعنى واحد وينشد على ذلك بيت لبيد: [الوافر]

سقى قومي بني نجد وأسقى نميراً والقبائـل من هلال

وقرأ أبو عمرو "ونَسقيه" بفتح النون وهي قراءة ابن مسعود وابن أبي عبلة وأبي حيوة، ورويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، {وأناسيٌ}، قيل هو جمع إنسان والياء المشددة بدل من النون في الواحد قاله سيبويه، وقال المبرد هو جمع إنسي وكان القياس أن يكون أناسية كما قالوا في مهلبي ومهالبة، وحكى الطبري عن بعض اللغويين في جمع إنسان أناسين بالنون كسرحان وبستان، وقرأ يحيى بن الحارث "أناسي" بتخفيف الياء، والضمير في {صرفناه} قال ابن عباس ومجاهد هو عائد على الماء المنزل من السماء، المعنى أن الله تعالى جعل إنزال الماء تذكرة بأن يصرفه عن بعض المواضع إلى بعض المواضع وهذا كله في كل عام بمقدار واحد، وقاله ابن مسعود، وقوله على هذا التأويل {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} أي في قولهم بالأنواء والكواكب قاله عكرمة، وقيل {كفوراً} على الإطلاق لما تركوا التذكر، وقال ابن عباس الضمير في {صرفناه} للقرآن وإن كان لم يتقدم له ذكر لوضوح الأمر ويعضد ذلك قوله بعد ذلك، {وجاهدهم به}، وعلى التأويل الأول الضمير في {به} يراد به القرآن على نحو ما ذكرناه، وقال ابن زيد يراد به الإِسلام، وقرأ عكرمة "صرَفنا" بتخفيف الراء، وقرأ حمزة والكسائي والكوفيون "ليذْكروا" بسكون الذال، وقرأ الباقون "ليذكّروا" بشد الذال والكاف، وفي قوله {ولو شئنا} الآية اقتضاب يدل عليه ما ذكر تقديره ولكنا أفردناك بالنذارة وحملناك {فلا تطع الكافرين}.