التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٣
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٣٤
إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٣٥
-آل عمران

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران والرد عليهم وبيان فساد ما هم عليه جاءت هذه الآية معلمة بصورة الأمر الذي قد ضلوا فيه، ومنبئة عن حقيقته كيف كانت، فبدأ تعالى بذكر فضله على هذه الجملة إلى {آل عمران} منها ثم خص {امرأة عمران} بالذكر لأن القصد وصف قصة القوم إلى أن يبين أمر عيسى عليه السلام وكيف كان و {اصطفى} معناه: اختار صفو الناس فكان ذلك هؤلاء المذكورين وبقي الكفار كدراً، و {آدم} هو أبونا عليه السلام اصطفاه الله تعالى بالإيجاد والرسالة إلى بنيه والنبوة والتكليم حسبما ورد في الحديث وحكى الزجاج عن قوم {إن الله اصطفى آدم} عليه السلام بالرسالة إلى الملائكة في قوله: { { أنبئهم بأسمائهم } [البقرة: 33] وهذا ضعيف، ونوح عليه السلام هو أبونا الأصغر في قول الجمهور هو أول نبي بعث إلى الكفار، وانصرف نوح مع عجمته وتعريفه لخفة الاسم، كهود ولوط، و {آل إبراهيم} يعني بإبراهيم الخليل عليه السلام والآل في اللغة، الأهل والقرابة، ويقال للأتباع وأهل الطاعة آل، فمنه آل فرعون، ومنه قول الشاعر وهو أراكة الثقفي في رثاء النبي عليه السلام وهو يعزي نفسه في أخيه عمرو: [الطويل]

فَلاَ تَبْكِ مَيْتاً بَعْدَ مَيْتٍ أَجنَّهُ عليٌّ وَعَبَّاسٌ وآلُ أبي بَكْرِ

أراد جميع المؤمنين، و"الآل" في هذه الآية يحتمل الوجهين، فإذا قلنا أراد بالآل القرابة والبيتية فالتقدير {إن الله اصطفى} هؤلاء على عالمي زمانهم أو على العالمين عاماً بأن يقدر محمداً عليه السلام من آل إبراهيم، وإن قلنا أراد بالآل الأتباع فيستقيم دخول أمة محمد في الآل لأنها على ملة إبراهيم، وذهب منذر بن سعيد وغيره إلى أن ذكر آدم يتضمن الإشارة إلى المؤمنين به من بنيه وكذلك ذكر نوح عليه السلام وأن "الآل" الأتباع فعمت الآية جميع مؤمني العالم فكان المعنى، أن الله اصطفى المؤمنين على الكافرين، وخص هؤلاء بالذكر تشريفاً لهم ولأن الكلام في قصة بعضهم، و {آل عمران} أيضاً يحتمل من التأويل ما تقدم في {آل إبراهيم}، وعمران هو رجل من بني إسرائيل من ولد سليمان بن داود فيما حكى الطبري، قال مكي: هو عمران بن ماثال، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: ذكر الله تعالى أهل بيتين صالحين ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين فكان محمد من آل إبراهيم، وقال ابن عباس: "اصطفى الله" هذه الجملة بالدين والنبوة والطاعة له.
وقوله تعالى: {ذرية} نصب على البدل، وقيل على الحال لأن معنى {ذرية بعضها من بعض} متشابهين في الدين والحال، وهذا أظهر من البدل، والذرية في عرف الاستعمال تقع لما تناسل من الأولاد سفلاً، واشتقاق اللفظة في اللغة يعطي أن تقع على جميع الناس أي كل أحد ذرية لغيره فالناس كلهم ذرية بعضهم لبعض، وهكذا استعملت الذرية في قوله تعالى:
{ أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون } } [يس: 41] أي ذرية هذا الجنس ولا يسوغ أن يقول في والد هذا ذرية لولده وإذ اللفظة من ذر إذا بث فهكذا يجيء معناها، وكذلك إن جعلناها من "ذرى" وكذلك إن جعلت من ذرأ أو من الذر الذي هو صغار النمل، قال أبو الفتح: الذرية يحتمل أن تكون مشتقة من هذه الحروف الأربعة، ثم طول أبو الفتح القول في وزنها على كل اشتقاق من هذه الأربعة الأحرف تطويلاً لا يقتضي هذا الإيجاز ذكره وذكرها أبو علي في الأعراف في ترجمة { من ظهورهم ذرياتهم } [الأعراف:172] قال الزجّاج: أصلها فعليه من الذر، لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، قال أبو الفتح: هذه نسبة إلى الذر غير أولها كما قالوا في النسبة إلى الحرم: حرمي بكسرالحاء وغير ذلك من تغيير النسب قال الزجّاج: وقيل أصل {ذرية} ذرورة، وزنها فعلولة فلما كثرت الراءات أبدلوا من الأخيرة ياء فصارت ذروية ثم أدغمت الواو في الياء فجاءت {ذرية}.
قال القاضي فهذا اشتقاق من ذر يذر، أو من ذرى، وإذا كانت من ذرأ فوزنها فعلية كمريقة أصلها ذرئة فألزمت البدل والتخفيف كما فعلوا في البرية في قول من رآها من برأ الله الخلق، وفي كوكب دري، في قول من رآه من -درأ- لأنه يدفع الظلمة بضوئه.
وقرأ جمهور الناس "ذُرية" بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت والضحاك، "ذِرية" بكسر الذال، وقوله تعالى: {بعضها من بعض} أي في الإيمان والطاعة وإنعام الله عليهم بالنبوة.
واختلف الناس في العامل في قوله {إذ قالت} فقال أبو عبيدة معمر: {إذ} زائدة، وهذا قول مردود، وقال المبرد والأخفش: العامل فعل مضمر تقديره، اذكر إذ وقال الزجاج: العامل معنى الاصطفاء،التقدير: واصطفى آل عمران إذ:
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا القول يخرج عمران من الاصطفاء، وقال الطبري ما معناه: إن العامل في {إذ} قوله {سميع} و {امرأة عمران} اسمها حنة بنت قاذوذ فيما ذكر الطبري عن ابن إسحاق، وهي أم مريم بنت عمران، ومعنى قوله: {نذرت لك ما في بطني محرراً} أي جعلت نذراً أن يكون هذا الولد الذي في بطني حبيساً على خدمة بيتك محرراً من كل خدمة وشغل من أشغال الدنيا، أي عتيقاً من ذلك فهو من لفظ الحرية، ونصبه على الحال، قال مكي: فمن نصبه على النعت لمفعول محذوف يقدره، غلاماً محرراً، وفي هذا نظر، والبيت الذي نذرته له هو بيت المقدس.
قال ابن إسحاق: كان سبب نذر حنة لأنها كانت قد أمسك عنها الولد حتى أسنت فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يزق فرخاً له فتحركت نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولداً فحملت بمريم وهلك عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً جعلته نذيرة لله، أن يخدم الكنيسة لا ينتفع به في شيء من أمر الدنيا، وقال مجاهد: {محرراً} معناه خادماً للكنيسة وقال مثله الشعبي وسعيد بن جبير، وكان هذا المعنى من التحرير للكنائس عرفاً في الذكور خاصة، وكان فرضاً على الأبناء التزام ذلك، فقالت {ما في بطني} ولم تنص على ذكورته لمكان الإشكال، ولكنها جزمت الدعوة رجاء منها أن يكون ذكراً، وتقبل الشيء وقبوله أخذه حيث يتصور الأخذ والرضى به في كل حال، فمعنى قولها {فتقبل مني} أي ارضَ عني في ذلك واجعله فعلاً مقبولاً مجازى به، والسميع، إشارة إلى دعائها العليم إشارة إلى نيتها.