التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
١٥
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦
ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ
١٧
-سبأ

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذا مثل لقريش بقوم أنعم الله عليهم وأرسل إليهم الرسل فكفروا وعصوا، فانتقم الله منهم، أي فأنتم أيها القوم مثلهم و {سبأ} هنا أراد به القبيل، واختلف لم سمي القبيل بذلك، فقالت فرقة هو اسم لامرأة كانت أماً للقبيل، وقال الحسن بن أبي الحسن في كتاب الرماني هو اسم موضع فسمي القبيل به وقال الجمهور هو اسم رجل هو أبو القبيل كله قيل هو ابن يشجب بن يعرب، وروي في هذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله فروة بن مسيك عن {سبأ} فقال: هو اسم رجل منه تناسلت قبائل اليمن.
وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج "لسبإ" بهمزة منونة مكسورة على معنى الحي، وقرأ أبو عمرو والحسن "لسبأ" بهمزة مفتوحة غير مصروف على معنى القبيلة، وقرأ جمهور القراء "في مساكنهم" لأن كل أحد له مسكن، وقرأ الكسائي وحده "في مسكِنهم" بكسر الكاف أي في موضع سكناهم وهي قراءة الأعمش وعلقمة، قال أبو علي والفتح حسن أيضاً لكن هذا كما قالوا مسجد وإن كان سيبويه يرى هذا اسم البيت وليس موضع السجود. قال هي لغة الناس اليوم، والفتح هي لغة الحجاز وهي اليوم قليلة، وقرأ حمزة وحفص "مسكَنهم" بفتح الكاف على المصدر وهو اسم جنس يراد به الجمع، وهي قراءة إبراهيم النخعي وهذا الإفراد هو كما قال الشاعر: [الوافر]

كلوا في بعض بطنكم تعفوا

وكما قال الآخر: [البسيط]

قد عض أعناقهم جلد الجواميس

و {آية} معناها عبرة وعلامة على فضل الله وقدرته، و {جنتان} ابتداء وخبره في قوله عن {يمين وشمال} أو خبر ابتداء تقديره هي جنتان، وهي جملة بمعنى هذه حالهم والبدل من {آية} ضعيف، وقد قاله مكي وغيره، وقرأ ابن أبي عبلة "آية جنتين" بالنصب، وروي أنه كان في ناحية اليمن واد عظيم بين جبلين وكانت جنتا الوادي منبت فواكه وزروع وكان قد بني في رأس الوادي عند أول الجبلين جسر عظيم من حجارة من الجبل إلى الجبل فارتدع الماء فيه وصار بحيرة عظيمة، وأخذ الماء من جنبتيها فمشى مرتفعاً يسقي جنات جنتي الوادي، قيل بنته بلقيس، وقيل بناه حمير أبو القبائل اليمينة كلها، وكانوا بهذه الحال في أرغد نعم، وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا أرباب تلك البلاد في ذلك الزمان، وقوله {كلوا} فيه حذف كأنه قال قيل لهم كلوا، و {طيبة} معناه كريمة التربة حسنة الهواء رغدة من النعم سليمة من الهوام والمضار هذه عبارات المفسرين، وكان ذلك الوادي فيما روي عن عبد الرحمن بن عوف لا يدخله برغوث لا قملة ولا بعوضة ولا عقرب ولا شيء من الحيوان الضار، وإذا جاء به أحد من سفر سقط عند أول الوادي، وروي أن الماشي بمكتل فوق رأسه بين أشجاره يمتلي مكتله دون أن يمد يداً، وروي أن هذه المقالة من الأمر بالأكل والشرب والتوقيف على طيب البلدة وغفران الرب مع الإيمان به هو من قيل الأنبياء لهم، وقرأ رؤيس عن يعقوب "بلدةً طيبةً ورباً غفوراً" بالنصب في الكل، وبعث إليهم فيما روي ثلاثة عشر نبياً فكفروا بهم وأعرضوا، فبعث الله تعالى على ذلك السد جرداً أعمى توالد فيه وخرقه شيئاً بعد شيء وأرسل سيلاً في ذلك الوادي، فيحتمل ذلك السد، فيروى أنه كان من العظم وكثرة الماء بحث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيراً من الناس ممن لم يمكنه الفرار، ويروى أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات، فهلكت بهذا الوجه، وروي أنه صرف الماء من موضعه الذي كان فيه أولاً فتعطل سقي الجنات، واختلف الناس في لفظة {العرم} فقال المغيرة بن حكيم وأبو ميسرة: {العرم} في لغة اليمن: جمع عرمة: وهو كل ما بني أو سنم ليمسك الماء ويقال ذلك بلغة أهل الحجاز المسناة.
قال الفقيه الإمام القاضي: كأنها الجسور والسداد ونحوها، ومن هذا المعنى قول الأعشى:

وفي ذلك للمتأسي أسوة ومآرب عفا عليها العرم
رخام بناه لهم حمير إذا جاءه موارة لم يرم

ومنه قول الآخر:

ومن سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما

وقال ابن عباس وقتادة والضحاك {العرم} اسم وادي ذلك الماء بعينه الذي كان السد بني له، وقال ابن عباس أيضاً إن سيل ذلك الوادي أبداً يصل إلى مكة وينتفع به، وقال ابن عباس أيضاً {العرم} الشديد.
قال الفقيه الإمام القاضي: فكأنه صفة للسيل من العرامة، والإضافة إلى الصفة مبالغة وهي كثيرة في كلام العرب، وقالت فرقة {العرم} اسم الجرذ.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقيل {العرم} اسم المطر الشديد الذي كان عنه ذلك السيل، وقوله {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} قول فيه تجوز واستعارة وذلك أن البدل من "الخمط والأثل" لم يكن جنات، لكن هذا كما تقول لمن جرد ثوباً جيداً وضرب ظهره هذا الضرب ثوب صالح لك ونحو هذا، وقوله {ذواتي} تثنية ذات، و"الخمط" شجر الأراك قاله ابن عباس وغيره، وقيل "الخمط" كل شجر له شوك وثمرته كريهة الطعم بمرارة أو حمضة أو نحوه، ومنه تخمط اللبن إذا تغير طعمه، و"الأثل" ضرب من الطرفاء هذا هو الصحيح، وكذا قال أبو حنيفة في كتاب النبات، قال الطبري وقيل هو شجر شبيه بالطرفاء وقيل إنه السمر، و"السدر" معروف وهو له نبق شبه العناب لكنه في الطعم دونه بكثير، وللخمط ثمر غث هو البريد، وللأثل ثم قليل الغناء غير حسن الطعم، وقرأ ابن كثير ونافع "أكْل" بضم الهمزة وسكون الكاف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وضم الكاف، وروي أيضاً عن أبي عمرو سكون الكاف وهما بمعنى الجنى والثمر، ومنه قوله تعالى
{ تؤتي أكلها كل حين } [إبراهيم: 25] أي جناها، وقرأ جمهور القراء بتنوين "أكل" وصفته بخمط وما بعده، قال أبو علي: البدل هذا لا يحسن لأن الخمط ليس بالأكل والأكل ليس بالخمط نفسه والصفة أيضاً كذلك، لأن الخمط اسم لا صفة وأحسن ما فيه عطف البيان، كأنه بين أن الأكل هذه الشجرة ومنها ويحسن قراءة الجمهور أن هذا الاسم قد جاء بمجيء الصفات في قول الهذلي [الطويل]

عقار كماء الني ليس بخمطة ولا خلة يكوي الشروب شبابها

وقرأ أبو عمرو بإضافة "أكلِ" إلى "خمطٍ" وبضم كاف "أكلُ خمطٍ"، ورجح أبو علي قراءة الإضافة وقوله {ذلك} إشارة إلى ما أجراه عليهم، وقوله {وهل يجازي} أي يناقش ويقارض بمثل فعل قدراً لأن جزاء المؤمنين إنما هو بتفضيل وتضعيف، وأما الذي لا يزاد ولا ينقص فهو {الكفور} قاله الحسن بن أبي الحسن، وقال طاوس هي المناقشة، وكذلك إن كان المؤمن ذا ذنوب فقد يغفر له ولا يجازى، والكافر يجازي ولا بد، وقد قال عليه السلام "من نوقش الحساب عذب" ، وقرأ جمهور القراء "يجازَى" بالياء وفتح الزاي، وقرأ حمزة والكسائي "نجازي" بالنون وكسر الزاي، "الكفورَ" بالنصب، وقرأ مسلم بن جندب "وهل يجزي" وحكى عنه أبو عمرو الداني أنه قرأ "وهل يُجزي" بضم الياء وكسر الزاي، قال الزجاج يقال جزيت في الخير وجازيت في الشر.
قال الفقيه الإمام القاضي: فترجح هذه قراءة الجمهور.