التفاسير

< >
عرض

وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ
٩
فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً
١٠
إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ
١١
لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
١٢
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ
١٣
وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً
١٤
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ
١٥
وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ
١٦
وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ
١٧
-الحاقة

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن والناس: "من قَبْله" بفتح القاف وسكون الباء أي الأمم الكافرة التي كانت قبله، ويؤيد ذلك ذكره قصة نوح في طغيان الماء لأن قوله: {من قبله}، قد تضمنه فحسن اقتضاب أمرهم بعد ذلك دون تصريح. وقال أبو عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبان والحسن بخلاف عنه وأبو رجاء والجحدري وطلحة: "ومن قِبَله"، بكسر القاف وفتح الباء أي أجناده وأهل طاعته ويؤيد ذلك أن في مصحف أبيّ بن كعب: "وجاء فرعون ومن معه"، وفي حرف أبي موسى: "ومن تلقاءه". وقرأ طلحة بن مصرف: "ومن حوله". وقبل الإنسان: ما يليه في المكان وكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة عندي وفي ذمتي وما يليني بأي وجه وليني. و: {المؤتفكات} قرى قوم لوط، وكانت أربعاً فيما روي، وائتفكت: قلبت وصرفت عاليها سافلها فائتفكت هي فهي مؤتفكة، وقرأ الحسن هنا: "والمؤتفكة" على الإفراد، و {الخاطئة}: إما أن تكون صفة لمحذوف كأنه قال بالفعل الخاطئة، وإما أن يريد المصدر، أي بالخطأ في كفرهم وعصيانهم. وقوله تعالى: {فعصوا رسول ربهم} يحتمل أن يكون الرسول: اسم جنس كأنه قال: فعصا هؤلاء الأقوام والفرق أنبياء الله الذين أرسلهم إليهم، ويحتمل أن يكون الرسول بمعنى: الرسالة، وقال الكلبي: يعني موسى، وقال غيره في كتاب الثعلبي: يعني لوطاً والرابية: النامية التي قد عظمت جداً، ومنه ربا المال، ومنه الربا، ومنه اهتزت وربت. ثم عدد تعالى على الناس نعمته في قوله: {إنَّا لمّا طغا الماء} الآية، و المراد: {طغا الماء} في وقت الطوفان الذي كان على قوم نوح. والطغيان: الزيادة على الحدود المتعارفة في الأشياء، ومعناه طغا على خزانه في خروجه وعلى البشر في أن أغرقهم، قال قتادة: علا على كل شيء خمسة عشر ذراعاً، و {الجارية}: السفينة، والضمير في {لنجعلها} عائد على الفعلة أي من يذكرها ازدجر، ويحتمل أن يعود على {الجارية}، أي من سمعها اعتبر. و {الجارية} يراد بها سفينة نوح قاله منذر، وقال المهدوي: المعنى في السفن الجارية، وقال قتادة: أبقى الله تعالى تلك السفينة حتى رأى بعض عيدانها أوائل هذه الأمة وغيرها من السفن التي صنعت بعدها قد صارت رموداً. وقوله تعالى: {وتعيها أذن واعية} عبارة عن الرجل الفهم المنور القلب، الذي يسمع القول فيتلقاه بفهم وتدبر. قال أبو عمران الجوني: {واعية} عقلت عن الله عز وجل. ويروى " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني دعوت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي. قال علي: فما سمعت بعد ذلك شيئاً فنسيته" . وقرأ الجمهور: "تعِيها" بكسر العين على وزن تليها. وقرأ ابن كثير في رواية الحلواني وقنبل وابن مصرف: "وتَعْيها" بسكون العين جعل التاء التي هي علامة في المضارع بمنزلة الكاف من كتف إذ حرف المضارع لا يفارق الفعل فسكن تخفيفاً كما يقال: كتف ونحو هذا قول الشاعر:

قالت سليمى اشترْ لنا سويقا

على أن هذا البيت منفصل، فهو أبعد لكن ضرورة الشعر تسامح به، ثم ذكر تعالى أمر القيامة، و {الصور}: القرن الذي ينفخ فيه، قال سليمان بن أرقم: بلغني " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن {الصور} فقال: هو قرن من نور فمه أوسع من السماوات" ،والنفخة المشار إليها في هذه الآية، نفخة القيامة التي للفزع ومعها يكون الصعق، ثم نفخة البعث، وقيل: هي نفخات ثلاثة: نفخة الفزع ونفخة الصعق ثم نفخة البعث، والإشارة بآياتنا هذه إلى نفخة الفزع، لأن حمل الجبال هو بعدها. وقرأ الجمهور: "نفخةٌ" بالرفع، لما نعت صح رفعه، وقرأ أبو السمال: "نفخةً واحدةً" بالنصب. وقرأ جمهور القراء: "وحمَلت" بتخفيف الميم بمعنى حملتها الرياح والقدرة، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه: "وحمّلت" بشد الميم، وذلك يحتمل معنيين أحدهما أنها حاملة حملت قدرة وعنفاً وشدة نفثها فهي محملة حاملة. والآخر أن يكون محمولة حملت ملائكة أو قدرة. وقوله تعالى: {فدكتا} وقد ذكر جمعاً ساغ، ذلك لأن المذكور فرقتان وهذا كما قال الشاعر [القطامي]: [الوافر]

ألم يحزنك أن حبال قومي وقومك قد تباينتا انقطاعا

ومنه قوله تعالى: { كانتا رتقاً } [الأنبياء: 30] و {دكتا} معناه: سوى جميعها كما يقال: ناقة دكاً: إذا ضعفت فاستوت حدبتها مع ظهرها، و {الواقعة}: القيامة والطامة الكبرى، وقال بعض الناس: هي إشارة إلى صخرة بيت المقدس وهذا ضعيف، وانشقاق السماء هو تفطيرها وتمييز بعضها عن بعض وذلك هو الوهي الذي ينالها كما يقال في الجدارات البالية المتشققة واهية، {والملك} اسم الجنس يريد به الملائكة، وقال جمهور المفسرين: الضمير في {أرجائها} عائد على {السماء} أي الملائكة على نواحيها وما لم يَهِ منها والرجا: الجانب من الحائط والبئر ونحوه ومنه قول الشاعر [المرادي]: [الطويل]

كأن لم تري قبلي أسيراً مقيداً ولا رجلاً يرعى به الرجوان

أي يلقى في بئر فهو لا يجد ما يتمسك به. وقال الضحاك أيضاً وابن جبير: الضمير في {أرجائها} عائد على الأرض وإن كان لم يتقدم لها ذكر قريب لأن القصة واللفظ يقتضي إفهام ذلك، وفسر هذه الآية بما روي أن الله تعالى يأمر ملائكة سماء الدنيا فيقفون صفاً على حافات الأرض ثم يأمر ملائكة السماء الثانية فيصفون خلفهم ثم كذلك ملائكة كل سماء، فكلما فر أحد من الجن والإنس وجد الأرض قد أحيط بها، قالوا فهذا تفسير هذه الآيات، وهو أيضاً معنى قوله تعالى: { وجاء ربك والملك صفاً صفاً } } [الفجر: 22] وهو أيضاً تفسير قوله { يوم التناد يوم تولون مدبرين } [غافر: 32-33] على قراءة من شد الدال، وهو تفسير قوله: { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا } [الرحمن: 33]، واختلف الناس في الثمانية الحاملين للعرش، فقال ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحد عدتهم. وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك على هيئة الوعول، وقال جماعة من المفسرين: هم على هيئة الناس، أرجلهم تحت الأرض السفلى ورؤوسهم وكواهلهم فوق السماء السابعة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة قواهم الله بأربعة سواهم" . والضمير في قوله: {فوقهم} للملائكة الحملة، وقيل للعالم كله وكل قدرة كيفما تصورت فإنما هي بحول الله وقوته.