التفاسير

< >
عرض

قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١٨٨
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ
١٨٩
-الأعراف

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذا أمر في أن يبالغ في الاستسلام ويتجرد من المشاركة في قدرة الله وغيبه وأن يصف نفسه لهؤلاء السائلين بصفة من كان بها فهو حري أن لا يعلم غيباً ولا يدعيه، فأخبر أنه لا يملك من منافع نفسه ومضارها إلا ما سنى الله له وشاء ويسر، وهذا الاستثناء منقطع، وأخبر أنه لو كان يعلم الغيب لعمل بحسب ما يأتي ولاستعد لكل شيء استعداد من يعلم قدر ما يستعد له، وهذا لفظ عام في كل شيء، وقد خصص الناس هذا فقال ابن جريج ومجاهد: "لو كنت أعلم أجلي لاستكثرت من العمل الصالح". وقالت فرقة: أوقات النصر لتوخيتها، وحكى مكي عن ابن عباس أن معنى لو كنت أعلم السنة المجدبة لأعددت لها من المخصبة.
قال القاضي أبو محمد: وألفاظ الآية تعم هذا وغيره، وقوله: {وما مسني} يحتمل وجهين وبكليهما قيل، أحدهما أن {ما} معطوفة على قوله: {لاستكثرت} أي ولما مسني السوء والثاني أن يكون الكلام مقطوعاً تم في قوله: {لاستكثرت من الخير} وابتدأ يخبر بنفي السوء عنه وهو الجنون الذي رموه به، قال مؤرج السدوسي: {السوء} الجنون بلغة هذيل، ثم أخبر بجملة ما هو عليه من النذارة والبشارة، و {لقوم يؤمنون} يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد أنه نذير وبشير لقوم يطلب منهم الإيمان ويدعون إليه، وهؤلاء الناس أجمع، والثاني أن يخبر أنه نذير ويتم الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشير للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه.
وقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} الآية، قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام بقوله: {وجعل منها زوجها} حواء وقوله {منها} يريد ما تقدم ذكره من أن آدم نام فاستخرجت قصرى أضلاعه وخلقت منها حواء, وقوله: {ليسكن إليها} أي ليأنس ويطمئن، وكان هذا كله في الجنة، ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في الدنيا بعد هبوطها، فقال: {فلما تغشاها} أي غشيها وهي كناية عن الجماع، و "الحمل الخفيف" هو المني الذي تحمله المرأة في فرجها، وقرأ جمهور الناس "حَملاً" بفتح الحاء، وقرأ حماد بن سلمة عن ابن كثير "حِملاً" بكسر الحاء، وقوله {فمرت به} أي استمرت به، قال أيوب: سألت الحسن عن قوله: {فمرت به} فقال: لو كنت امرأً عربياً لعرفت ما هي إنما المعنى فاستمرت به.
قال القاضي أبو محمد: وقدره قوم على القلب كأن المراد فاستمر بها كما تقول أدخلت القلنسوة في رأسي، وقرأ يحيى بن يعمر وابن عباس فيما ذكر النقاش "فمرَت به" بتخفيف الراء، ومعناه فشكت فيما أصابها هل هو حمل أو مرض ونحو هذا، وقرأ ابن عباس "فاستمرت به" وقرأ ابن مسعود "فاستمرت بحملها" وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاصي "فمارت به" معناه أي جاءت به وذهبت وتصرفت، كما تقول مارت الريح موراً، و {أثقلت} دخلت في الثقل كما تقول: أصبح وأمسى أي صارت ذات ثقل كما تقول أتمر الرجل وألبن إذا صار ذا تمر ولبن، والضمير في {دعوا} على آدم وحواء.
وروي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدرِ ما هو، وهذا يقوي قراءة من قرأ "فمرَت به" بتخفيف الراء، فجزعت لذلك فوجد إبليس إليها السبيل، فقال لها ما يدريك ما في جوفك ولعله خنزير أو حية أو بهيمة في الجملة وما يدريك من أين يخرج أينشق له بطنك فتموتين أو على فمك أو أنفك؟ ولكن إن أطعتني وسميته عبد الحارث.
قال القاضي أبو محمد: والحارث اسم إبليس، فسأخلصه لك وأجعله بشراً مثلك، وإن أنت لم تفعلي قتلته لك، قال فأخبرت حواء آدم فقال لها ذلك صاحبنا الذي أغوانا في الجنة، لا نطيعه، فلما ولدت سمياه عبد الله، فمات الغلام، ويروى أن الله سلط إبليس على قتله فحملت بآخر ففعل بها مثل ذلك فحملت بالثالث فلما ولدته أطاعا إبليس فسمياه عبد الحارث حرصاً على حياته، فهذا هو الشرك الذي جعلا لله أي في التسمية فقط.
و {صالحاً} قال الحسن معناه غلاماً، قال ابن عباس: وهو الأظهر بشراً سوياً سليماً، ونصبه على المفعول الثاني وفي المشكل لمكي أنه نعت لمصدر أي أتيا صالحاً، وقال قوم إن المعنى في هذه الآية التبيين عن حال الكافرين فعدد النعم التي تعم الكافرين وغيرهم من الناس، ثم قرر ذلك بفعل المشركين السيّىء فقامت عليهم الحجة ووجب العقاب، وذلك أنه قال مخاطباً لجميع الناس {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها} يريد آدم وحواء أي واستمرت حالكم واحداً كذلك، فهذه نعمة تخص كل أحد بجزء منها، ثم جاء قوله: {فلما تغشاها} إلى آخر الآية وصفاً لحال الناس واحداً واحداً أي هكذا يفعلون فإذا آتاهم الله الولد صالحاً سليماً كما أراده، صرفاه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين الذي قامت الحجة فيه باقترانه مع النعمة العامة، وقال الحسن بن أبي الحسن فيما حكى عنه الطبري: معنى هذه الآية: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} إشارة إلى الروح الذي ينفخ في كل أحد.
قال القاضي أبو محمد: أي خلقكم من جنس واحد وجعل الإناث منه، ثم جاء قوله: {فلما تغشاها} إلى آخر الآية وصفاً لحال الناس واحداً واحداً على ما تقدم من الترتيب في القول الذي قبله.