التفاسير

< >
عرض

وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً
١٦
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً
١٧
وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً
١٨
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
١٩
قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً
٢٠
قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً
٢١
قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً
٢٢
-الجن

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الضمير في قوله { استقاموا } قال أبو مجلز والفراء والربيع بن أنس وزيد ابن أسلم والضحاك بخلاف عنه: الضمير عائد على قوله { من أسلم } [الجن: 14]، و { الطريقة } طريقة الكفر، لو كفر من أسلم من الناس { لأسقيناهم } إملاء لهم واستدراجاً. وقال قتادة وابن جبير وابن عباس ومجاهد الضمير عائد على "القاسطين". والمعنى على طريقة الإسلام والحق لأنعمنا عليهم، وهذا المعنى نحو قوله: { { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم } [المائدة: 65]، وقوله { { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } } [المائدة: 66]. وهذا قول أبين لأن استعارة الاستقامة للكفر قلقة. وقرأ الأعمش وابن وثاب "وأن لوُ" بضم الواو. وقال أبو الفتح هذا تشبيه بواو الجماعة اشتروا الضلالة، والماء الغدق: هو الماء الكثير. وقرأ جمهور الناس "غدَقاً" بفتح الدال، وقرأ عاصم في رواية الأعشى عنه بكسرها. وقوله تعالى: { لنفتنهم } إن كان المسلمون فمعناه لنختبرهم، وإن كان القاسطون فمعناه لنمتحنهم ونستدرجهم، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حيث يكون الماء فثم المال، وحيث يكون المال فثم الفتنة، ونزع بهذه الآية، وقال الحسن وابن المسيب وجماعة من التابعين: كانت الصحابة سامعين مطيعين، فلما فتحت كنوز كسرى وقيصر وثب بعثمان فقتل وثارت الفتن. و { يسلكه } معناه يدخله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء أي "يسلكه" الله، وقرأ بعض التابعين "يُسلكه" بضم الياء من أسلك وهما بمعنى، وقرأ باقي السبعة "نسلكه" بنون العظمة، وقرأ ابن جبير "نُسلِكه" بنون مضمومة ولام مكسورة. و { صعداً } معناه شاقاً، تقول فلان في صعد من أمره أي في مشقة، وهذا أمر يتصعدني، وقال عمر: ما تصعدني شيء كما تصعدني خطبة النكاح، وقال أبو سعيد الخدري وابن عباس: صعد جبل في النار، وقرأ قوم "صُعُوداً" بضم الصاد والعين، وقرأ الجمهور بفتح الصاد والعين، وقرأ ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وقال الحسن: معناه لا راحة فيه، ومن فتح الألف من { أن المساجد لله } جعلها عطفاً على قوله { { قل أوحي إلي أنه } [الجن: 1]، ذكره سيبويه، و { المساجد } قيل أراد بها البيوت التي هي للعبادة والصلاة في كل ملة.
وقال الحسن: أراد كل موضع سجد فيه كان مخصوصاً لذلك أو لم يكن، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة. وروي أن هذه الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة، حينئذ فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: المواضع كلها لله فاعبده حيث كان وقال ابن عطاء: { المساجد }: الآراب التي يسجد عليها، واحدها مسجد بفتح الجيم، وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية لأن الجن قالت يا رسول الله: كيف نشهد الصلاة معك على نأينا عنك: فنزلت الآية يخاطبهم بها على معنى أن عبادتكم حيث كنتم مقبولة. وقال الخليل بن أحمد: معنى الآية، ولأن { المساجد لله فلا تدعوا } أي لهذا السبب، وكذلك عنده
{ { لإيلاف قريش } [قريش: 1] { { فليعبدوا } [قريش: 3] وكذلك عنده { { وأن هذه أمتكم أمة } [الأنبياء: 92، المؤمنون: 52]. و { المساجد } المخصوصة بينة التمكن في كونها لله تعالى فيصح أن تفرد للصلاة والدعاء وقراءة العلم، وكل ما هو خالص لله تعالى، وأن لا يتحدث بها في أمور الدنيا. ولا يتخذ طريقاً، ولا يجعل فيها لغير الله نصيب، ولقد قعدت للقضاء بين المسلمين في المسجد الجامع بالمرية مدة، ثم رأيت فيه من سوء المتخاصمين وأيمانهم وفجور الخصام وعائلته ودخول النسوان ما رأيت تنزيه البيت عنه فقطعت القعود للأحكام فيه. وقوله عز وجل: { وأنه لما قام عبد الله } يحتمل أن يكون خطاباً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون إخباراً عن الجن، وقرأ بعض القراء على ما تقدم "وأنه" بفتح الألف، وهذا عطف على قوله { أنه استمع } [الجن: 1]، والعبد على هذه القراءة قال قوم: هو نوح، والضمير في { كادوا } لكفار قومه، وقال آخرون، هو محمد، والضمير في { كادوا } للجن. المعنى أنهم { كادوا } يتقصفون عليه لاستماع القرآن، وقرأ آخرون منهم "وإنه لما قام" بكسر الألف، والعبد محمد عليه السلام، والضمير في { كادوا } يحتمل أن يكون للجن على المعنى الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون لكفار قومه وللعرب في اجتماعهم على رد أمره، ولا يتجه أن يكون العبد نوحاً إلا على تحامل في تأويل نسق الآية، وقال ابن جبير: معنى الآية، إنما قول الجن لقومهم يحكون، والعبد محمد صلى الله عليه وسلم.
والضمير في { كادوا } لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة، فهم عليه لبد. واللبد الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض، ومنه قول عبد بن مناف بن ربع: [البسيط]

صافوا بستة أبيات وأربعة حتى كأن عليهم جانياً لبدا

يريد الجراد سماه جانياً لأنه يجني كل شيء، ويروى جابياً بالباء لأنه يجبي الأشياء بأكله، وقرأ جمهور السبعة وابن عباس: "لِبداً" بكسر اللام جمع لِبدة، وقال ابن عباس: أعواناً. وقرأ ابن عامر بخلاف عنه وابن مجاهد وابن محيصن: "لُبَداً" بضم اللام وتخفيف الباء المفتوحة وهو جمع أيضاً. وروي عن الجحدري: "لُبُدا" بضم اللام والباء. وقرأ أبو رجاء: "لِبداً" بكسر اللام، وهو جمع لا بد فإن قدرنا الضمير للجن فتقصفهم عليه لاستماع الذكر، وهذا تأويل الحسن وقتادة و { أدعو } معناه أعبده، وقرأ جمهور السبعة وعلي بن أبي طالب: "قال إنما"، وهذه قراءة تؤيد أن العبد نوح، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عنه: "قال إنما" وهذه تؤيد بأنه محمد عليه السلام وإن كان الاحتمال باقياً من كليهما. واختلف القراء في فتح الياء من { ربي } وفي سكونها. ثم أمر تعالى محمداً نبيه عليه السلام بالتبري من القدرة وأنه لا يملك لأحد { ضراً ولا رشداً }، بل الأمر كله لله. وقرأ الأعرج "رُشُداً" بضم الراء والشين، وقرأ أبيّ بن كعب "لكم غياً ولا رشداً". وقولهم { من دونه } أي من عند سواه. و "الملتحد": الملجأ الذي يمال إليه ويُركَن، ومنه الإلحاد الميل، ومنه اللحد الذي يمال به إلى أحد شقي القبر.