التفاسير

< >
عرض

وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً
١٤
وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ
١٥
قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً
١٦
وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً
١٧
عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً
١٨
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً
١٩
وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً
٢٠
-الإنسان

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

اختلف النحويون في إعراب قوله تعالى: {ودانية}، فقال الزجاج وغيره: هو حال عطفاً على { متكئين } [الإنسان: 13] وقال أيضاً: ويجوز أن يكون صفة للجنة، فالمعنى وجزاهم جنة دانية، وقرأ جمهور الناس " دانية " وقرأ الأعمش " ودانياً عليهم" وقرأ أبو جعفر " ودانيةٌ " بالرفع, وقرأ أبيّ بن كعب " ودانٍ " مفرد مرفوع في الإعراب، ودنو الظلال بتوسط أنعم لها، لأن الشيء المظل إذا بعد فترة ظله لا سيما من الأشجار والتذليل أن تطيب الثمرة فتتدلى وتنعكس نحو الأرض، و " التذليل " في الجنة هو بحسب إرادة ساكنيها، قال قتادة ومجاهد وسفيان: إن كان الإنسان قائماً تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعداً فكذلك، وإن كان مضطجعاً فكذلك. فهذا تذليلها لا يرد عنها بعد ولا شوك. ومن اللفظة قول امرىء القيس: [الطويل]

كأنبوب السقي المذلل

ومنه قول الأنصاري: والنخل قد ذللت فهي مطوقة بثمرها. و {القطوف} : جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه. والعنب ونحوه. و {آنية} جمع إناء. و {الكوب} ما لا عروة له ولا أذن من الأواني، وهي معروفة الشكل في تلك البلاد. وهو الذي تقول له العامة القب، لكنها تسمي بذلك ما له عروة. وذلك خطأ أيضاً. وقال قتادة: الكوب القدح. والقوارير: الزجاج. واختلف القراء فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم " قواريراً قواريراً " بالإجراء فيهما على ما قد تقدم في قوله "سلاسلاً"، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "قواريرَ قواريرَ" بترك الإجراء فيهما، وقرأ ابن كثير " قواريراً " بالإجراء في الأول " قواريرَ " بترك الإجراء في الثاني، وقرأ أبو عمرو " قواريرا "، ووقف بألف دون تنوين " قواريرَ " بترك الإجراء في الثاني، وقوله تعالى: {من فضة} يقتضي أنها من زجاج ومن فضة وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه و {من فضة} في جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة، وقال أبو علي جعلها {من فضة} لصافئها وملازمتها لتلك الصفة وليست من فضة في حقيقة أمرها. وإنما هذا كما قال الشاعر [البعيث]: [الطويل]

ألا أصبحت أسماء جاذمة الوصل وضنت عليها والضنين من البخل.

وقوله تعالى: {قدروها} يحتمل أن يكون الضمير للملائكة، ويحتمل أن يكون للطائفين، ويحتمل أن يكون للمنعمين، والتقدير إما أن يكون على قدر الأكف قاله الربيع، أو على قدر الري قاله مجاهد، وهذا كله على قراءة من قرأ " قَدروها " بتخفيف القاف، وقرأ ابن أبزى وعلي الجحدري وابن عباس والشعبي وقتادة " قُدِروها" بضم القاف وكسر الدال، قال أبو علي: كأن اللفظ قدروا عليها، وفي المعنى قلب لأن حقيقة المعنى أن يقال: قدرت عليهم فهي مثل قوله: { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة } } [القصص:76]، ومثل قول العرب: إذا طلعت الجوزاء، ألفى العود على الحرباء، حكاه أبو علي، وكون الزنجبيل مزاجها هو على ما ذكرناه في العرف ولذع اللسان، وذلك من لذات المشروب، و" الزنجبيل ": طيب حار، وقال الشاعر [الأعشى ]: [الرجز]

كأن جنياً من الزنجبيل بات بفيها وأرياً مشورا

وقال المسيب بن علس: [الكامل]

وكأن طعم الزنجبيل به إذ ذقته وسلافة الخمر

وقال قتادة: " الزنجبيل "، اسم لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة، و {عيناً} بدل من كأس أو من عين على القول الثاني، و {سلسبيلاً} قيل هو اسم بمعنى السلس المنقاد الجرية، وقال مجاهد: حديدة الجرية، وقيل: هي عبارة عن حسن إيساغها، قال ابن الأعرابي: لم أسمع هذه اللفظة إلا في القرآن، وقال آخرون: {سلسبيلاً} صفة لقوله {عيناً} وتسمى بمعنى توصف وتشهر وكونه مصروفاً مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسماً، وقال بعض المقرئين والتصحيح من الألوسي: {سلسبيلاً} أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسؤال السبيل إليها، وهذا قول ضعيف لأن براعة القرآن وفصاحته لا تجيء هكذا، واللفظة معروفة في اللسان وأن السلسل والسلسبيل، بمعنى واحد ومتقارب. و {مخلدون} قال جمهور الناس: معناه باقون من الخلود، وجعلهم ولداناً لأنهم في هيئة الولدان في السن لا يتغيرون عن تلك الحال، وقال أبو عبيدة وغيره {مخلدون} معناه مقرطون، والخلدات حلي يعلق في الآذان، ومنه قول الشاعر: [الكامل]

ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أقاوب الكثبان.

وشهرة هذه اللغة في حمير، وشبههم بـ " اللؤلؤ المنثور" في بياضهم وانتشارهم في المساكن يجيئون ويذهبون وفي جمالهم، ومنه سميت المرأة درة وجوهرة، ثم كرر ذكر الرؤية مبالغة، و {ثم} ظرف والعامل فيه {رأيت} أو معناه؟ وقال الفراء التقدير: {رأيت} ما {ثم} وحذفت ما، وقرأ حميد الأعرج " ثُم " بضم الثاء، و " النعيم ": ما هم فيه من حسن عيش، و " الملك الكبير" قال سفيان: هو استئذان الملائكة وتسليمهم عليهم وتعظيمهم لهم، فهم في ذلك كالملوك، وقال أكثر المفسرين: " الملك الكبير" اتساع مواضعهم، فروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام كلهم مختلف شغله من شغل أصحابه، وأدنى أهل الجنة منزلة من ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه.